بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» متصفح أوبرا الجديد يوفر 90% من فاتورة الإنترنت
السبت 11 نوفمبر 2017, 14:20 من طرف اخوكم احمد

» عيد ميلاد المنتدى الثانى
الأربعاء 08 نوفمبر 2017, 15:16 من طرف اخوكم احمد

» الاهلى والوداد مباشر على منتدى المطرية
السبت 28 أكتوبر 2017, 18:41 من طرف اخوكم احمد

» الرقم البريدى لمنطقة المطرية بالقاهرة
الأحد 10 سبتمبر 2017, 21:13 من طرف اخوكم احمد

» المطريه ليس بها فرع واحد لأى بنك ؟
الأربعاء 30 أغسطس 2017, 15:15 من طرف اخوكم احمد

» من امثال العرب
الإثنين 26 ديسمبر 2016, 00:16 من طرف اخوكم احمد

» سجل هنا اجمل تهنئة وصلتك
السبت 10 سبتمبر 2016, 03:48 من طرف اخوكم احمد

» رسائل العيد (خفيفة الدم)
الجمعة 09 سبتمبر 2016, 13:14 من طرف اخوكم احمد

» السلام عليكم.
السبت 23 أبريل 2016, 21:33 من طرف اخوكم احمد

» لقد تم حل مشكلة التسجيل بالمنتدى
الخميس 21 أبريل 2016, 18:52 من طرف اخوكم احمد


الأيام الطرابلسية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في السبت 17 سبتمبر 2011, 05:17



د. محمد محمد المفتي

1. مدخل: اشبح كيف


(1)

هـوية المديـنـة

* ’’ بس قـول لي .. تي وينها طرابلس اللي تبي تحكي عليها .. ما هناش ‘‘. هكذا فاجأني صديقي عز الدين الذي زار مدينته بعد ثلاثة عقود من الغربة، ’’ لما روّحت .. دكان بوي ما لقـيتاش. وأرضي اللي شريتها عدّت .. والمدينة القديمة يسكنوا فيها فـقـراء الوافدين .. مليانة دكاكين وكراريس تبيع في المصنوعات الصينية .. ‘‘.

* ’’ لكن يا أستاذ المكان موجود ، القلعة موجودة والميناء موجود .. وسوق المشير وميدان الساعة وسوق القـزارة وسوق الترك ومدرسة الفنون والصنايع .. وهناك بين هذا كله طرابلس بمبانيها الجميلة وأقواسها الفخمة ... طبعا المجتمع يتغير ، باستمرار .. وسط المدينة مليان بوتيكات ومطاعم لكن إيش رايك في محلات شارع بن عاشور والجرابة ، والواحات في قرقارش .. هذي لندن إللي تبيها .. المطلوب شوية تسامح وشوية خيال .. ‘‘.

* ’’ .. وبعدين كيف عاصمة فاخرة ، وباقي المدن حايسة ؟ ‘‘


’’طرابلس هي عاصمة ليبيا .. بها خمس سكان البلاد .. وهي مأهولة بليبيين من كل أرجاء البلاد .. من الطبيعي أن تحظى بما لا تحظي به المدن الأخرى .. طرابلس عاصمة كل الليبيين ، الأخت الكبيرة لكل المدن الليبية . وقديما كانت ليبيا كلها تسمّى إقليم طرابلس ، منذ زمن الرومان اللي أعطونا إسمها .. ‘‘.

* وردّ ولد المدينة ، ’’ أوكيْ طرابلس الأخت الكبيرة ، ولذلك فهي متميزة .. وهي محط حب وتحسس في آن واحد .. لكن حصتها وتمركزها حول ذاتها جعلها محط نقد .. أهل طرابلس ما يندروش على بقية البلاد !!‘‘.

* ’’ لا أعتقد الأمور بهذا التبسيط .. نعم عواطفنا متناقضة ولم يأت هذا من فراغ‘‘.

* ’’ لكن الليبي بدون طرابلس .. كالإنسان الذي لا عنوان له !!!‘‘.

( 2 )

قراءة التاريخ كظاهرة اجتماعية .. وليس فقط كأحداث سياسية متعاقبة ، يمنحنا حرية أكثر في فهم الوقائع والأحداث والشخصيات. فالحرب مثلا قد تندلع بقرار سياسي ، لكنها قد تكون بسبب البطالة أو التنافس الإقتصادي ، أو الفتن المذهبية أو الصراع حول مصادر مياه ..الخ. والسياسيون الذين يقررون الحروب محكومون بتصوراتهم وخيالاتهم وهواجسهم ، ناهيك عن تأثير المقربين اليهم ، والتنافسات الخفية داخل تلك الدائرة. وتأثير هذه العوامل أكبر وأكثر مباشرة في قرارات الدولة اليومية. وهي أكثر تأثيرا في انتشار الأفكار والحركات الاجتماعية والموضات .. الخ.

بالمقابل هل يمكننا مثلا أن نرى في ازدهار الحركات الصوفية واحتفال الليبيين بالمولد النبوي ، في الحقبة الإيطالية ، إلى تشبثهم بالتقاليد مثل عدم خروج المرأة بل وعدم تعليمها .. هل يمكن أن نرى في كل هذه الظواهر نوعا من المقاومة الصامتة للوجود الإيطالي ؟.. رفض كلي للاستعمار وثقافته ؟

المنحى الاجتماعي يعني أيضا إعادة تركيب لوقائع الزمن المتعاقبة ، ومراحل تطور المكان .. ولحياة من عبروها.

لقد شهدت طرابلس عبر القرنين الماضيين اعتداءات خارجية ، وثورات داخلية وفتنا قبلية وجهوية. كما عرفت هجرات من الخارج ، من ايطاليا ومالطا واليونان .. استقر أبناء تلك المجتمعات وعملوا وقدموا خدمات داخل مدينة طرابلس ، وربما تركوا تأثيرهم في المجتمع الطرابلسي سواء في مفردات العامية أو أكلات السمك التي تشتهر بها طرابلس اليوم. والأكثر أهمية أن جالية تركية عريضة استقرت بطرابلس وانصهرت في المجتمع الطرابلسي ، بل ومنحت بعض أسرها كبار المسئولين وأعيان متنفذين. كما كان ثلث سكان مدينة طرابلس القديمة من اليهود ، كبار تجار وصاغة وحرفيين ، وتواصل وجودهم بالمدينة لقرون ولابد أنهم تركوا بصماتهم .. ولو على شكل ثقتنا اليوم في "الفضة القديمة" والنقش القديم".

المنحى الاجتماعي في كتابة التاريخ لا يعتمد فقط على تجميع المعلومات من المؤلفات والكتب الجادة التي تكتفي بسرد تواريخ الساسة والمعارك ، بل يستدعي التقاط البيانات لرسم سمات المجتمع في مراحله المتتالية ..ويستدعي البحث الميداني وتسجيل شهادات من عاصروا الحقب القريبة نسبيا.

المنهج الاجتماعي ، فوق ذلك ، عمل إبداعي لأنه يعي تركيب وترتيب الوقائع وشحنها بطاقة مسرحية .. تلمس العواطف كما في الروايات التاريخية. كما يهتم المنهج التاريخي بتفاصيل الحياة اليومية من مسكن ومأكل وملبس وتجارة ..الخ. وإلى هنا ينتهي التشابه بين النمطين التاريخ والرواية الخيالية. لأن الرواية عادة ما تستند إلى خيط خفي من الأخلاق التي يمليها المنطق. لكن دراما التاريخ الحقيقي عادة ما تكون أكثر غرابة وربما أكثر مأساوية أوهزلا. فإذا كان الروائي يحكي لنا كيف أن عقاب الأشرار حتمي ، فإن المؤرخ لا يستطيع أن يفرض مثل هذه التصورات على الشخصيات التاريخية. فالرجال مزيج من الحكمة والشجاعة ، وربما التضحية ، وأيضا الطموح الشخصي الذي قد يدفعهم أحيانا إلى الزلل والظلم ، وأحيانا تتملكهم الهواجس والوساوس التي تحرك فيهم رغبات الدمار والانتقام دون سبب ، وربما الأنانية التي قد تصل إلى حد الدناءة. كل هذه الدوافع المتناقضة والمتضاربة قد توجد في شخص واحد ، إلى جانب نقاط ضعف خفية. وهناك العوامل الخارجية ، أي من خارج المجتمع ، كالقحط والأوبئة والحروب التي تؤثر في حركة المجتمع بشتى أشكالها. والخلاصة أن الروائي قد ينجح في إدانة أو معاقبة أبطاله. لكن كاتب التاريخ ليس له إلا أن يتمسك بما هو موَثق وظاهري. إلا أن التناول الاجتماعي يثري قراءتنا للتاريخ ، ويقربنا إلى حقيقة الأمور. فالأحداث الاجتماعية في نهاية الأمر وليدة رغبات وسلوكيات البشر الشديدة التنوع والغموض.
..................................

منقول
http://www.al-nukhba.ly/showthread.php?t=15344


عدل سابقا من قبل اخوكم احمد في الجمعة 30 سبتمبر 2011, 16:56 عدل 1 مرات
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في السبت 17 سبتمبر 2011, 05:26


( 3 )


ليست المدينة .. أي مدينة ، مجرد مشهد عمراني .. إنها تاريخ وثقافة بالمعنى الواسع .. قيم ، تقاليد ، سلوكيات .. بل إن مبانيها وشوارعها أشبه بالهيكل .. هيكل عظمي تغطيه تكوينات الجسم الحي القادر على التأثير في ما حوله ، والذي يتأثر بالكوارث كالحروب وسنوات الجفاف والمجاعة والأوبئة. مجتمع المدينة قد يصنع الازدهار ويتأثر بمسبباته من صناعة أو تجارة خارجية .. ومثل الجسم الحي يمر مجتمع المدينة بأطوار الشباب والنشاط ، وقد يبلغ مرحلة الشيخوخة والخمول.




الباحث في تاريخ المدينة أشبه ما يكون بعالم الآثار الذي ينقب ويكتشف طبقات وطبقات من تحولات المدينة عبر التاريخ .. أسواق المدينة القديمة كانت ترتكز تجارتها على الحوالى (الجرود) والرداوات ، صناعتها وبيعها. وكان كل الصاغة تقريبا من اليهود. الآن كل التجار والصاغة ليبيين. لكن الأسواق أغرقتها البضائع المستوردة من جنوب شرق آسيا. مثل هذا التحول لا يحدث دون تغيرات عميقة في قيم وتفكير الناس. شوارع المدينة القديمة أزقة ضيقة محكومة بتقنيات البناء .. على عكس المباني الحديثة القائمة على الخرسانة المسلحة ، شبابيك حياش المدينة القديمة قليلة وضيقة لأنها بنيت في زمن محافظ لم يكن يسمح لرؤية النساء. .. وبهذه الكيفية نستطيع أن نقرأ المشهد العمراني بمنهج تحليلي يضيف جديدا لفهمنا.

عمران المدينة قد يتغير .. وهو في ذلك يعكس تحولات أخرى .. يوم وصل الديناميت القادر على اختراق سور المدينة القديمة مثلا ، بدأ ترك بواباتها مفتوحة .. وأهمل السور وبدأ في التهاوي. إزدهار طرابلس في أواخر القرن 19 ، أدى إلى امتداد مبانيها إلى خارج السور حيث ابتنى الناس أحياء جديدة.

المدينة ، مثل طرابلس لم تكن نسيجا واحدا متجانسا .. كانت هناك تمايزات دينية وعرقية وثقافية .. كان بها يهود يشكلون ثلث سكان المدينة القديمة .. وسكنها أندلسيون وأتراك ومالطيون .. وجاءها جزائريون وجرابة .. ومنذ العهد الإيطالي هيمنت فيها جالية ايطالية ضخمة ، لمدة ستين سنة .

وعرفت طرابلس الغزو والحروب وثورات الدواخل (مثل ثورة غومة المحمودي وثورة عبد الجليل سيف النصر في فزان).

كل هذه التفاعلات .. تركت بالتأكيد آثارها في لهجة أبناء طرابلس ، وملبسهم وطعامهم وسلوكهم اليومي.

( 4 )


من أبرز مفارقات الدارجة / العامية الطرابلسية .. عبارة " قاعد ماجاش" ، أي لم يأت بعد أو بدقة أكبر "حتى الآن لم يأت" .. وهي عبارة كثيرا ما يتندر بها غير الطرابلسيين. هل هي ارتباك في التعبير ؟ أم أنها مراوغة لفظية ؟
لكن ثمة مفارقة أكبر.

فطرابلس هي أكبر المدن الليبية
وهي تاريخيا عاصمة هذا الفضاء الممتد بين مصر وتونس ، ومركز حاكمه منذ العصر القرمللي.
لكن لا أحد من الليبيين يعترف بها كعاصمة !
ولا هم استطاعوا الاستغناء عنها وتناسيها.
ليس الأمر مجرد اعتراف قانوني في دستور أو غيره. بل الأمر يمتـد إلى مستوى الانتماء الشخصي.

طرابلس كأي مدينة ، أو حاضرة ، سكانها من الوافدين .. من الأرياف المحيطة ، من بقية المدن الليبية من زواره وغريان وبنغازي ودرنة .. الخ .... بل من مراكز الإمبراطورية العثمانية ، من مهاجري الأندلس ، من اليهود والمالطيين ، من أسري معارك القرصنة البحرية ، والرقيق المجلوب من أفريقيا. هذا قانون عام يصدق على كل الحواضر في كل أقطار العالم. والهجرة مصدر ثراء بشري لأي مدينة.

لكن ؟
المهاجرين إلى بنغازي .. من مصراته وورفلة وزليتن وترهونة .. يستقرون بها ، وينصهرون ، بل ويتعصبون لمدينتهم الجديدة .. ضد طرابلس !
وكذلك استقر في درنة أبناء تاجورة ومصراتة وزليتن في درنة ، منذ حملات يوسف باشا قبل قرنين.

بالمقابل اعتمدت طرابلس على اجتذاب التجار والجنود .. وحديثا الموظفين ، الذين انتقلوا إليها من كل أرجاء ليبيا ، من بنغازي ودرنة ، من فزان حتى غات وآبراك ويفرن ومرزق . لكن جل الوافدين كانوا من المناطق الأقرب: من الزاوية وغريان ونالوت وغدامس والخمس وترهونة ومصراتة..الخ. هؤلاء ولقرب مواطنهم ، جاؤا ليتاجروا أو يتوظفوا ، لكن معظمهم لم يقطع صلته بمسقط رأسه .. وإلى اليوم تجدهم يرحلون لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في مواطنهم وبين أقاربهم .. بل الكثير منهم عندما يتيسر حاله ، يبني منزله هناك.

طرابلس مدينة كبيرة وكونية (كوزموبوليتية) في نسيجها ، سكانها من مختلف الجذور .. ومدينة يلتقي معظم سكانها لآداء وظيفة اجتماعية .. هذه العلاقات المهنية تطمس الروابط القديمة كالجهة والقبيلة .. ومثل كل المدن الكبرى الشبيهة من القاهرة إلى نيويورك ، تتراجع فيها العلاقات الإنسانية إلى علاقات قائمة على المصلحة والتعامل .. التي لا تحفل بالعواطف البدائية .. وإذا بدت لندن باردة وغير مكترثة للزائر الليبي .. فكذلك تبدو طرابلس لبقية الليبيين !
أم أن العواطف التي تحيط بطرابلس أكثر تعقيدا ؟
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الجمعة 30 سبتمبر 2011, 17:05



( 5 )


أذكر إبان إحدى زياراتي لطرابلس أثناء إعداد هذه الفصول ، أن التقيت على غداء من السمك المشوي [ الصحن المميز لطرابلس !] .. مع الصديق الكاتب والصحفي رضا بن موسى إبن المدينة القديمة والمولود قرب باب الحرية ، وأذكر أنه طرح عليّ تصورًا جديرًا بالتسجيل هنا: ’’ .. حتى دواخل إقليم طرابلس ، كانوا ينظرون للمدينة على أساس أنها مركز السلطة .. منها كانت تخرج حملات التأديب وجبي الميري أو الخراج .. غومة المحمودي حارب سلطة طرابلس .. وكذلك فعل عبد الجليل سيف النصر .. في ظني هذا ما جعل أهل الدواخل ينظرون إلى طرابلس بعين العداء .. وأمست القلعة رمز المدينة وبؤرة العسف .. وهل قال سيدي عبد السلام الأسمر "طرابلس يا حفرة الدم ..." ، لأن شرّا كثيرا كان يأتي منها بين الحين والآخر؟ عبر العصور ، كانت طرابلس لكونها مركز الدولة ، تحاول السيطرة على الأطراف .. أن تشد الأطراف إليها ، وتضمها .. لأن الدواخل كانت مصدر ثروة لباشا طرابلس. بل كان باشا طرابلس يأخذ رهائن .. أولاد مشايخ القبائل الأقوياء ، ويربيهم عنده في القصر ، كما فعل مع عبد الجليل سيف النصر إبن شيخ قبائل أولاد سليمان المهيمنة على فزان وتجارة القوافل مع أفريقيا في القرن التاسع عشر ‘‘

طبعا هذه عواطف وانطباعات ، ولا بد من تبيان أسبابها الموضوعية ، بقصد إزالة غشاوتها. وضرورة رؤية مدينة طرابلس كمركز للتقدم والاستقرار ، أو هكذا يجب أن ترى.

بالمقابل ، في العقود الحديثة انحازت السلطة إلى الدواخل ، الصحراء ، نقاء البادية .. ضد المدن وأولها طرابلس. حتى المقيمين فيها ، تجدهم سرعان ما يتشبثون بهويتهم البدوية ، ويرفعون راية الجهة أو القبيلة .. غرياني ، ترهوني ، ورفلي .. وهل مثل هذه الاستجابة تنطوي على قلق البعد عن مسقط الرأس ، وعداء مضمر تجاه طرابلس ، مستقرهم الجديد ؟

خلال نصف القرن الماضي شهدت كثير من المدن العربية خاصة في الدول النفطية " ظاهرة بـَدوَنة المدن". أي أن المدن تفتح مجال العمل الحرفي والوظيفي لأبناء الدواخل من الريفيين والبدو. يتقاضون مرتبات في دولة تعتمد على ريع البترول .. لكنها أي هذه المدن بطيئة في استيعاب الوافدين إليها. وذلك على عكس ماحدث في مدن أوروبا عند بداية الثورة الصناعية. فآنئذ كان الريفيون يأتون ليستوعبوا سريعا قيم المجتمع الصناعي ، من خلال العمل في المصانع والمناجم .. مثل انضباطية المواعيد وروح العمل في فريق .. والأهم انقطاع صلاتهم بمجتمعهم القديم. أما عندنا فالمهاجر إلى المدينة يحتفظ في كثير من الأحيان بكل روابطه وقيمه وعاداته القديمة. وتصبح الأحياء أقرب إلى النجوع أو القرى!

( 6 )

الانطباع لدى بقية الليبيين عن أهل طرابلس ، أبناء المدينة .. أنهم ليسوا " قـيـّـادي أحوال" .. لا تهمهم شئونك الشخصية و لا يتدخلون فيها .. على عكس حال المدن الصغيرة .. ولكنهم أيضا باردي العواطف، محدودي الترحاب ، شئ قريب من البخل ولكنه مختلف عنه. ثم إن حس النكتة لديهم عالي.. على عكس بقية الليبيين ، وحتى مقارنة بسكان دواخل إقليم طرابلس نفسه : الزاوية ، وغريان .. الخ.

هل من تفسير؟
أولا لسنا بصدد إصدار أحكام أخلاقية .. أو تقييم الأمور بمنطق هذا أفضل من ذاك .. كل ما هناك أنها سلوكيات ، ترسخت كطباع اجتماعية ، فما مصدرها ؟
ربما طبيعة المكان ؟ ربما كيفية كسب الرزق ؟
طرابلس مدينة كبيرة ، مفتوحة على العالم الخارجي ، على جنوبي أوروبا ، وعلى أفريقيا عبر فزان. منطقة تجارة وتجارة عبور أساسا.
وطرابلس أيضا سدة حكم ، على الأقل طيلة القرون الخمسة الماضية.

الإعتماد على التجارة ووجود سلطة ، ربما رسخا في الثقافة الطرابلسية قيم ومعايير. أولها ضرورة كسب رضا السلطان ، لتبقى المدينة في أمان ونظام وازدهار. وثانيها أن الثراء يأتي عبر الصفقات .. مع الآخرين. إذن المصلحة هي أساس العلاقات.
المدن الليبية الصغيرة على اتصال مباشر بالبادية .. وتعتمد عليها. وأثرياءها يمارسون نشاط الموالة أي الاستثمار في حراثة القمح والشعير والأغنام. وهذه نشاطات دورية موسمية شبه مضمونة.

طرابلس محاطة ببساتين أو واحات (عين زارة ، قصر بن غشير ، جنزور ..) تمتد على طول الساحل إلى مصراته شرقا وزوارة غربا. ثمار مثل الزيتون والبرتقال وخضروات ، وهو ما كانت تبيع منه طرابلس إلى السفن المارة بمينائها.
بالمقابل فإن سكان دواخل إقليم طرابلس (خاصة البدو منهم مثل المحاميد ، والفرجان وورفلة وبادية سرت) ، لا يختلفون كثيرا في دفء عواطفهم واحتفائهم بالغريب ، بل وشعرهم الشعبي عن بدو برقة.

( 7 )


أذكر مرة أن أحد الأصدقاء ، في جلسة دردشة ، لاحظ قائلا: ’’ إنقولك حاجة .. طرابلس مياهها حلوة .. أحكي عن أيام زمان ، وتربتها ليـّنة . كانت دائما فيها زراعة مستقرة وملكية .. الحوازة ، نص هكتار ، تعيـّش عيلة . هل هذا ما غرَسَ فيهم ليونة ؟ ثم كانت دائما عندهم حكومة .. الباشا وديوانه. ثقافة طرابلس توارثت الطاعة. أما بنغازي ، فقد نشأت مدينة تجارة ، من البداية .. مياهها مالحة وتربة بـَرّها قاسية .. لم تكن في بر بنغازي زراعة دائمة .. حراثة موسمية فقط .. وتشربت روح البادية في محيطها .. ربما ، ربما هذا ميز ثقافة بنغازي بأنها ثقافة استقلالية .. عناد وتمرد .. .. هذا اللي يجعل الطرابلسية إداريين منضبطين وأكفاء .. لكنهم يقولوا ما يريد سيدهم .. ولذلك في المراتب العليا ، البراوقة أحسن لأنهم يقولوا الحقيقة .. لكن مزعجين !‘‘.

- ’’ أشبح ..؟ .. هل يمكن تلخيص العقلية الطرابلسية في عبارة قاعد ماجاش .. ؟ هل هي عبارة مفتوحة تحمل أكثر من معنى ؟ نعم ، تعني لم يأت بعد. هل تنطوي على المجاملة ؟ المداورة ؟ لدينا أيضا مشّي وطِسْ ، فوّت ، .. تنبي عن سلوكيات ، بل مهارات حضرية ، قد تختلف درجاتها من مدينة إلى أخري! ‘‘.

- وشرح الثالث على يميني لجاره ما قيل ، فالتفت نحونا: ’’ آه طقيتوا في اللحم الحي .. أنا من أولاد الظهرة .. جيت الصبح ع البراق .. طرابلس هي طرابلس .. وبعدين أنا عندي نظرية .. راكم كلكم عرب غرب يا شراوقة ، حضور وبوادي .. لكن اللي يستقر في مكان يرتبط بيه .. كِذه عدي قول للدرناوي وإلا أي شرقاوي عاش في طرابلس يرجع لكم .. وانقولك حتى جماعتنا اللي استقروا ف الشرق يتغيروا سبحان الله .. انتوا ياعرب الشرق .. الحق ينقال: كلمة كلمة .. ثقة كاملة .. وعلى ذكر ميّة طرابلس كانت حلوة .. بالك تخششوا الطعام حتى هو .. أخطر شئ كان الشراقة تعلموا الكسكسي بالحوت .. هنا سر الحضارة ..‘‘ ، وانفجر الجميع ضاحكين ، وواصل: ’’ .. وين السر ؟ في أكل الحوت وإلا في البيئة ؟ .. ديروها عاصمة ثقافية .. نحنا كاسبين على كل ريح ‘‘.

- ’’ صحيح أن معظم الأدباء والكتاب أصلهم من خارج بنغازي. لكن انتماءهم للمدينة صريح وكليّ. أما في طرابلس .. يوم الخميس .. كتـّابكم وموظفيكم يقلّعوا ، كل واحد لقريته .. هنا ما فيش‘‘.

- وحينها وصل أصدقاء فجلسوا قبالتنا وسرعان ما شدهم النقاش. وعلق أحدهم من الدواخل: ’’ القصقصة في بنغازي أكثر .. تخش أي مكان .. من هذا ؟ لمن ؟ إيش يشتغل ؟ تحس بحرارة الأسئلة تلفح رقبتك من الخلف. لكن نفس هذه الروح لها
إيجابيتها. علاقات مع جيرانك في العمارة. صاحب الدكان في الشارع يسأل كيف حال ابنك .. ‘‘

- وعلق صديق رسام ‘‘ أنا نقول هوا بنغازي .. ربما موقعها .. فيه جاذبية .. مثل ميّة النيل .. كما يقول المصرية اللي يذوقها لازم يرجع لها ..‘‘.

- ’’ سبحان الله .. العالم يتقدم ونحن نتشبث بالمحليات ، وبعدين الليبيين اليوم خاشين في بعضهم ، بس احسب المصاهرات ، لا عاد تلقي قبائل ولا جهات .. ‘‘.

- ’’ هذا فولكلور .. حتى في أمريكا ، وبريطانيا .. يبدو إن الناس شغوفين بتكراره ، مثل الحديث عن الجو والحر والمطر .. وأهو سبلة ، تنفيس .. ربما حتى بسبب هالتطور .. يعني البحث عن هوية محاولة للتغلب على إحساس الواحد منا بهذه الولاءات المتعددة .. هذا زلاوي وعايش في بنغازي ومتزوج منين .. وعضو هيئة تدريس في جامعة وأستاذ لغة انجليزية .. كل وحدة هوية ، وكل دائرة مغلقة على الأخريات .. وجميعها قابعة في نفس واحدة. كل واحد منا هكّي!‘‘.

( 8 )

طرابلس مزدحمة وزاخرة بالحياة والتنوع . وإذا ما تأملت أسماء أسرها ستجد معظمهم وافدين .. من الدواخل ، من تركيا .. أو حتى من القوقاز.

وتبقى طرابلس محيرة إلى يومنا هذا.. في داخلها تنقسم إلى أحياء: المدينة القديمة ، ميزران ، الظهرة ، سوق الجمعة .. كل واحدة قرية أو شبه قرية ، يشدها وهم يشبه العصبية القبلية .. سوى أنها استبدلت الإنتماء الى جد واحد بالانتماء إلى الشارع أو الزقاق أو النادي. واستبدلت الحروب بمباريات الكرة. واستبدلت المقاتلين والفرسان بنجوم الرياضة والغناء. وتطورت فيها تجمعات أولاد العم إلى مهرجانات الحضرة والزوايا والمالوف.

طرابلس أيضا مدينة كبيرة مفتوحة .. يصدق عليها المصطلح الأوروبي ميتروبول .. مفتوحة لكل الجاليات والثقافات .. أو هكذا كانت إلى أمد قريب .. تعايش فيها العرب/المسلمون مع اليهود والطليان والمالطيين.
طرابلس أيضا متقدمة على بقية المدن الليبية. شئ ما يربطها بعالم ما وراء البحر. وهي تعرف ذلك . ومزهوة به. وبالتالي مستحوذة ومتعالية على بقية الليبيين بحكم تاريخها الذي رفع مكانتها.
طرابلس كالأخت الكبرى : هيبتها وحظها مستمدة من كونها ولدت قبل أخواتها.
الشارع الطرابلسي ينضح بملامح الحياة الحديثة العجولة وبرود الأعصاب! حركة مستمرة ، والدكاكين لاجتذاب الزبائن وليس لجلسات الأصحاب وللدردشة كما في درنة أو بنغازي.
هل لأن كل شئ موجه للكسب .. والبقاء ؟

الحيز المتاح للعواطف ضيق في طرابلس. لأن الناس في المدينة الكبيرة .. لندن أو طرابلس أو طوكيو .. أشبه بذرات مستقلة ، متجاورة ، قليلة التفاعل. العلاقات مصلحية: القادم زبون ، يشترى خبزا أو قميصا .. يطلب ماكياتا في مقهى ، أو يوقف تاكسي ليوصله في رحلة صامتة أو في نقاش عام عن الجو والمطر أو شدة الزحام أو مسح مباني حي الفلاح .. وهكذا.
قيمة الأفراد بما يطلبون من خدمات وما في وسعهم إنفاقه .. ولا يهمّ أحد لون بشرتهم أو لهجتهم أو معتقداتهم.

روح عدم الاكتراث لدى سكان المدن الكبيرة ، ومنها طرابلس ، تجد أفصح تعبيراتها في مدى اهتمامهم بالسياسة. أو على الأصح عدم الاكتراث بالسياسة. لكنه موقف أيضا. فالمهم هو الاستقرار والأمن فقط ، والتنافس لتقديم خدمة أفضل ومن ثم جني ربح أكبر .. وتأمين رزق العيال.

في القرية ، أو المدينة/القرية ، كما في معظم مدن ليبيا وكل المدن الصغيرة في كل أقطار العالم .. هناك الفضول ومراقبة الآخرين والحكم على مسلكهم بل والتدخل في شئونهم ، وما يترتب عليها من مواقف وتحيزات. وكامتداد لتلك السلوكيات ، يظهر قاطن القرية/ المدينة " قلقا " أكبر على الصالح العام ، أو ما يعتبره كذلك .. وبالتالي فهو أكثر اهتماما واستجابة وأسرع مبادرة .. إزاء الحدث الاجتماعي .. والسياسي.

في المدن الكبيرة .. خليني في حالي وماليش دعوة .. هي الاستجابة الأغلب نحو الحدث العام والسياسة ليس الأمر مجرد موقف عملي .. ليس فقط أن تبتعد عن السياسة لأنها خطرة .. وأن الصحيح أن تظهر الطاعة والركون. وأن لا تتدخل في ما لا يخصّـك.
السياسة في عين قاطن المدينة الكبيرة غير مجدية ومضيعة للوقت. فالحكام كما تعرف المدن الكبرى ، وكما تعلمت طرابلس عبر القرون .. كلهم قساة ومتوجسون .. مهما اختلفت أسماءهم ولغاتهم ودياناتهم وشعاراتهم. ولهذا ، كما تقول فلسفة المدن الكبيرة ، أمن الشارع وأمان أسرتك يأتي من العيش بعيدا عن دائرة السلطة .. أو خليك في حالك. وتبقى فقط علاقة تكافلية .. هكذا كانت حياة المدينة القديمة في الأزمنة الغابرة .. فيوسف باشا القرمللي ، نموذج القسوة والاستقرار ، كان بحاجة إلى ما يجبيه من أهل الحارات ، بقدر ما كانوا هم بحاجة إلى تسلطه وما يترتب عليه من استقرار يسمح باستمرار الأسواق والحياة.

هل ينبع هذا من موقف استسلامي ؟ أم أنه إجرائي وعملي ؟!

ذلك لأن كثافة السكنى وتداخل أرزاق الناس .. في المدينة الكبيرة ، تنسج بين أهلها روابط المنفعة أكثر من العاطفة ، وتعيد ترتيب الأولويات .. فتـؤكد التعـقـل وتقـبل بحلول الوسط بدلا من التطرف والمواجهة.

___________
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الجمعة 30 سبتمبر 2011, 17:11


ولادة عاصمة

" .. ولما توجهنا إلى طرابلس وأشرفنا عليها كاد بياضها مع شعاع الشمس يغـشى الأبصار .. وخرج جميع أهلها مظهرين للاستبشار .. فنزلنا (بقصبة البلد ) .. ورأيت آثار الضخامة بادية على هذه القصبة غـير أن الخراب قد تمكن منها.. وكان فى ما يقابل هذه القصبة موضع يعرف بالرياض مخصوص بوالى البلد .. وهو الآن خرب ..وبالبلد ثلاثة حمامات.. ورأيت بسورها من الإعتناء .. وبخارج باب البحر.. مرسى المدينة وهو مرسى حسن متسع .. ‘‘.

هكذا وجد الرحّالة التيجانى طرابلس، حين زارها وأقام فيها بين عاميّ 1306 – 1308م … بلدة وادعة خارج مسارات التاريخ. وقد ظلت طرابلس طيلة قرون .. مجرد واحة، فى سلسلة واحات الساحل الليبى. تعيش كل واحة على انتاج المزارع المروية المحيطة حيثما تتراجع السباخ..ولكل منها مرفأ صغير تزوره المراكب الشراعية بين الحين والآخر من أوروبا أو الإسكندرية أو من المغرب متجهة إلى الحج في رحلة محفوفة بالمخاطر. واستوت في ذلك طرابلس مثلها مثل زواره وتاجوراء والخمس وزليطن ومصراتة وبنغازى ودرنة.

كانت الواحات الساحلية الليبية .. مجتمعات صغيرة شبه مغلقة، محدودة القدرات، تعيش على الاكتفاء الذاتى.. مجتمعات شبه ساكنة.. بأسواقها ومساجدها وكتاتيبها وحماماتها، وأيضا بأعيانها وقضاتها وشعرائها ومرابطيها (أوليائها). ومنها ما عرف صناعات يدوية مثل النسيج والجرود والأكلمة، وعصر الزيتون وصناعة الحصران ، لكن جل معاملاتها التجارية كانت تقوم على مقايضة الانتاج الزراعى المحدود. كانت مستوطنات شبه مغلقة إلا إذا وقعت على خطوط قوافل التجارة أو الحجيج. وربما زارها تاجر بين الحين والحين. بينما سمحت مرافئ طرابلس وبنغازى بتجارة خارجية محدودة، لتصدير الملح[i] أو لوصول المصنوعات المعدنية والسلاح والزجاجيات والأقمشة.

حَـكَم مجتمع الواحة الساحلية الليبية مزيجُ من القيم والأعراف القبلية والتعاليم الإسلامية، ولكن دون وجود سلطة حقيقية. ولم تكن الواحة ترنو الى التوسع ، وإن خاضت حربا فمن أجل الثأر. لكن الناس كانوا بين الحين والآخر عرضة للهجرة .. فزعا من وباء أو هربا من مجاعة أو تحت تهديد بثأر.

ومثلها مثل بقية الواحات، لم تكن طرابلس، مركز سلطة أو سدة حكم حتى بداية القرن السادس عشر، وبالتحديد حين احتلها الأسبان سنة 1510، ولم تصبح عاصمة فعلية إلا بعد ذلك بقرنين. ولا ننسى أن مصطلح عاصمة مشتق من العصمة أي الحماية والمنعة والقوة ، وهذا ما اكتسبته طرابلس تدريجيا مع احتدام الصراع الدولى قرب شواطئها.

بداية الصراع الدولى

حتى نهاية القرن الخامس عشر تقريبا ، كانت أوروبا معزولة عمليا عن بقية العالم بإستثناء الشام ومصر والشمال الأفريقى ... الى غربها المحيط الشاسع الأسطورى ، والى جنوبها أفريقيا القارة المظلمة ، وإلى شرقها بلاد مترامية ، ربما غنية ولكن شبه مجهولة ، والى الشمال يباب متجمد ... بعض الرحالة كانوا قد وصلوا الى الصين مثل ماركو بولو، لكن المعلومات التى عادوا بها كانت محدودة ملفوفة بالعجائب والأساطير.

كانت الحرير يستورد من الصين عبرالمسالك الجبلية الوعرة والسهوب والصحارى الممتدة عبر آسيا الوسطى. لكن التوابل والبهارات الشرقية (الفلفل / القرفة / الجنزبيل / جوز الطيب / الحبهان) لعبت دورًا أهم فى الإقتصاد الأوروبى فى العصر الوسيط، لإستعمالها كمواد خام لإنتاج العطور ومواد الزينة والأدوية والأصباغ ، فضلا عن أهمية البهارات فى لحفظ اللحوم خلال شهور الشتاء الطويلة. فقد كان الفلاحون فى أوروبا، خاصة شمالها، يذبحون الفائض من الأغنام والمواشى فى فصل الخريف ، تحسبا لتقلص المراعى من جراء ثلوج الشتاء ثم تخزين لحمها على هيئة قدّيد. وبلغت أهمية التوابل فى أوروبا كسلعة أنها كانت تقبل أحيانا كبديل للنقد لتسديد الضرائب. وفى حوالى سنة 1100 م ، مثلا كان ثمن رطل الفلفل أربع ليرات فضية !

لكن مستوردات أوروبا من الشرق شملت أيضا البن / البخور/ العطور(المسك/العنبر/ماء الورد) / السجاد/ العاج/ الأحجار الكريمة/القطن الهندى/ القلويات المستعملة فى صناعة الصابون/ ملح النطرون / الشبّة … الخ. وكانت هذه السلع المستوردة من الشرق الأقصى تصل عبرالخليج العربى ثم عن طريق نهرالفرات الى حلب ومنها الى موانى الشام ( صور/ صيدا / أنطاكية) او بالسفن الشراعية عن طريق البحر الأحمر الى السويس ثم تنقل الى القاهرة بالقوافل ومنها بالمراكب والدواب الى الإسكندرية. ومن هذه الموانى يتم نقل البضائع على سفن البندقية وجنوا. كما صدّرت أوروبا الى الشام ومصر ، المعادنَ من حديد ونحاس وذهب الفضة والأخشاب والأقمشة الثمينة !

هذا الاتصال التجارى قاد بالضرورة الى إزدهار المدن الواقعة على هذه الخطوط التجارية. وأثرى حكام المناطق بفضل الضرائب الجمركية (المكوس) التى كانوا يفرضونها على البضائع العابرة ، وإحتكارهم للنقل أو لبعض السلع. ولعل عوائد التجارة العابرة كانت السند الرئيسى لدولة المماليك في مصر ، ومصدرا من مصادر قوتها العسكرية.

البعد العلمى والتقنى

هذه الخلفية الاقتصادية كانت أهم سبب للكشوف الجغرافية، فقد أراد الأوروبيون من ورائها الوصول مباشرةً إلى الشرق الأقصى حيث الحرير والتوابل. لكن الكشوف الجغرافية لم تحدث بسبب الأطماع الاقتصادية فقط. وإلا لحققها اليونانيون الإغريق أو الملاحون العرب فى المحيط الهادى .... أو البحارة الصينيون أو اليابانيون ... أو قراصنة البحر المتوسط.

الحقيقة … إن الكشوف ما كانت لتنطلق لولا سلسلة من التطورات العلمية والإنجازات التقنية التى حققتها أوروبا فى بداية عصر النهضة[ii]، ومنها بدء استخدام البوصلة .. وتأسيس علم التخريط ، وتطوير تقنية بناء السفن العريضة القادرة على مخور المحيطات ، واستعمال البارود للمدافع وكذلك تطوير المعادلات الهندسية والفلكية اللازمة للملاحة في أعالي البحار.

ورعى البرتغاليون مبكرًا المشروع الاستكشافى، وقام الأمير هنرى الملاح وأعوانه باستكشاف الساحل الأفريقى. وبفضل هذه الإنجازات العلمية تحققت نقلة هائلة فى الملاحة البحرية ، فبدلا من الإبحار بمحاذاة الشواطىء ، كما كانت العادة فى العالم القديم … أمسى بالإمكان الإبحار فى أمان نسبى عبر المحيطات الشاسعة، أو بحار الظلمات كما كانت تسمّى والتى لا حدود لها.
وذهب البحار الماهر والمغامر كريستوفو كولومبوس الى فرديناند العاهل الإسبانى وزوجته إيزابيللا، سنة 1491… وحصل على دعمهما بعد مفاوضات متكررة. وكالعادة فقد اكتسبت القصة مع الزمن غلافا أسطوريا من نسج الخيال البشرى. لكنها كانت صفقة تجارية محضة ، فقد اشترط كولومبوس أن يُمنح عشْر الأرباح العائدة من الرحلة، ولقب الأمير الأعظم للبحر المحيط. ورحل كولومبوس قبيل فجر 3.8.1492 .. في أسطول من ثلاثة سفن من نوع الكارافيل العريضة. كان كولومبوس ملاحا خبيرا. ولم تخيب سفنه الرجاء ، ووصل إلى جزر الهند الغربية التي سماها بهذا الإسم لأنه توهـّم أنها على أطراف الهند !
و فيما بعد أقلع فاسكو داجاما من لشبونه فى يوليه 1497، ونجح فى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، ليصل الهند الحقيقية بعد عشرة شهور وحين عاد الى وطنه فى 1499 ، أكد بنجاح رحلته أن ثروات الشرق قد أمست فى متناول أوروبا. وأبحر ماجلان غربا وعبر المضائق عند طرف أمريكا الجنوبية ليدخل المحيط الهادي والوصول إلى الشرق الأقصى حيث الفلبين وإندونيسيا الغنية بالتوابل.

ماذا كانت النتائج ؟

أدى اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح ، الى تحويل تجارة الشرق بعيدا عن البحر المتوسط .. أي بعيدا عن مصر والموانئ الإيطالية ... لتنتهى مباشرة فى اسبانيا والبرتغال…. ودلالة ذلك بالأرقام هى كالآتى: كان قنطار الفلفل فى الهند يشترى بثلاث ليرات بندقية ، ثم يباع فى الإسكندرية الى التجار الأوروبيين بثمانين ، فصار المستورد منه عبر المحيط يباع فى لشبونة بثلاثين !

على الصعيد السياسى حاولت البندقية (سيدة البحر المتوسط حتى ذلك الحين) دفعَ السلطان الغورى فى مصر الى تحريض الأمراء المسلمين فى الهند على مقاومة التوسع البرتغالى ، لكنها لم تحقق نجاحا.

شطرنج البحر المتوسط

في تلك الفترة ظهرت قوة جديدة في البحر المتوسط ، ألا وهي الامبراطورية العثمانية. وفى سنة 1522، بعد حصار دام ستة أشهر، سقطت جزيرة رودس فى يد العثمانيين ، وطردوا منها فرسان القديس يوحنا. وكان سقوط رودس مفجعا لأوروبا المسيحية.

وفى يونيو 1510، احتل الإسبان طرابلس ، بعد أن استولوا على وهران وتلمسان فى الجزائر. ووجد الاسبان فى طرابلس مغنما يسيرا فتسلق القلعة لم يستغرق أكثر من أربع ساعات .. وهكذا سيطر الأسبان على مدينة طرابلس بمينائها وقلعتها وبساتينها اليانعة!
فى عام 1522، منح ملك اسبانيا، الامبراطور المقدس شارل الخامس ( 1500-1558) جزيرة مالطا، لطائفة الفرسان، استجابة لرجاء البابا عرفانا بجهودهم فى الدفاع عن المسيحية ضد الخطر الإسلامي. وهكذا اشتهروا باسمهم الجديد: فرسان مالطا. وفى سنة 1530، تنازل الاسبان عن طرابلس لفرسان مالطا.

القرصنة الجهادية ؟

أمام هذه الخلفية، ظهرت الحركة الجهادية .. أي مهاجمة السفن والسواحل المسيحية التى طردت المسلمين من الأندلس. لكن الجهادية كانت أيضا ضربا من القرصنة العشوائية للاستيلاء على ما تحمله السفن التجارية فى عرض البحر، وبالتالى ذات مردود مالى ومصدر دخل للدويلة أو الوالى الذى يرعاها. ولم تكن القرصنة البحرية إلا سمة العصر، تمارسها كل الدول وكان هناك قراصنة أوروبيين في أعالي البحار. وكانت القرصنة/الجهاد البحري ، يتم تحت مظلة الوجود العثمانى فى البحر المتوسط.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الجمعة 30 سبتمبر 2011, 17:16



لكن القرصنة الجهادية ، كانت حركة عاطفية أكثر منها تحديا استراتيجيا. أولا لغياب التوازن بين الطرفين ، فالمعسكر الإسلامي كان يعتمد على السفن والأسلحة التي ينتجها خصومه. وهي معادلة مستحيلة .. وحلها الوحيد كان نقل التقنية الحربية وتوطينها.
ومع ذلك تألقت قيادات بطولية فى تلك المواجهات المحتومة، عرفت بحماسها وجرأتها وذكائها التكتيكى … مثل خير الدين برباروسا[iii] الذى تولى حكم الجزائر سنة 1517، وشارك بعد ذلك فى قيادة الأسطول العثمانى، وتوفى بالقسطنطينية عام 1546. وبرز تلميذه مراد رايس آغا الذى أقام منذ 1537 قاعدة منيعة فى تاجوراء حيث بنى مسجدًا.

لكن تلميذ بربروسا الأجدر، شجاعةً وإقداما وكفاءة ، كان درغوت باشا الأناضولى الأصل. وفي إحدى المعارك وقع "الشيطان" درغوت فى أسر الأسطول الجنويّ وبقى رهينة لديهم أربع سنوات. وما أن أطلق سراحه حتى أعاد تجميع أسطول صغير، استأنف به غزواته من قواعد فى جربة والمهدية بتونس، مهاجما شواطئ ايطاليا واسبانيا، وحيثما قابلته سفن أوروبية.

واستطاع القراصنة/المجاهدون أن يلحقوا الشلل بالملاحة المسيحية فى غرب البحر المتوسط … بل أصبحت البحرية الطرابلسية تثير الفزع والرعب فى الجنوب الايطالى وفى نفوس البحارة المسيحيين حتى أصبح دعاء المودعين للمراكب الراحلة أن: "يحفظكم الرب من القوارب الطرابلسية"!

وكلف الامبراطور شارل الخامس أسطولا لمطاردة درغوت الذى نشر الرعب فى غرب المتوسط، بتكتيكاته المذهلة والمباغتة، التى جعلته ’’ .. موجودا فى كل مكان، ولا تجده فى أى مكان‘‘ كما كان يقال.. وقادرا بإصراره ومعرفته الواسعة بفنون الحرب، أن يخلق النصر من لا شئ وفى أسوأ الظروف!

كما حاول الاسطول التركى بقيادة الآدميرال سنان باشا بالتحالف مع درغوت، حاول احتلال مالطا فى صيف 1551 دون نجاح. وقادت الحملة الى أسر بضعة آلاف من المسيحيين تم توطينهم فى ترهونة. لكن فشل الحملة على مالطا، وجه الأسطول العثمانى نحو طرابلس. ونجحوا فى طرد حامية الفرسان يوحنا، الذين غادروا المدينة فى سفن تحت الحماية الفرنسية. وهكذا دخل العثمانيون طرابلس فى 16 أغسطس 1551 ، ونصبوا مراد واليا عليها لبضع سنين.

حكم درغوت طرابلس لإثني عشر سنة بقسوة وصرامة. وبحملاته على غريان ثم ترهونة ثم بنى وليد ومصراته، لإخماد كل عصيان أو تطاول أو تلكؤ فى دفع الأعشار ، حقق درغوت لطرابلس مكانتها الجديد كميناء ومركز عسكري في جنوب المتوسط. بل استولى على جربة سنة 1558. وبالطبع جعل طرابلس قاعدة للسفن الجهادية. ولم يكن يتوانى عن خوض المعارك بنفسه. و شارك مع الأسطول العثمانى فى حصار مالطا، حيث قتل يوم 18 / 6 / 1569 من جراء شظية أصابته فى ميدان المعركة قرب مدينة سليما الحالية ، في موقع يسمى إلى يومنا هذا "راس دراغوت". وخلفه فى حكم طرابلس الرايس العـلـج على الـفـرطاس.
وهكذا ولدت طرابلس، قاعدة بحرية، ومركز سلطة، وعاصمة لإقليمها، من جوف الصراع الدولى فى غرب المتوسط.

وتوالى علي طرابلس دايات وولاة بدرجات مختلفة من الاستقلالية والمبادرة. سلسة من الطغاة ، الذين قلما تذكر أسماءهم ناهيك عن محاسنهم. كانوا أسرى للصراعات فى صفوف الانكشارية، أو المجاعات والطواعين، أو ثورات فى الدواخل احتجاجا على الضرائب وقسوة الجند. كان الولاة يأتون بمؤامرة ، ثم ينتقمون ويقمعون .. ثم ينهبون .. وحين تنضب الموارد وتتسع دائرة الخصوم ، يختفون عبرانقلاب داخل القلعة.

وبعد درغوت لم تستعد طرابلس مجدها أو مكانتها كقوة بحرية ، إلا فى عهد يوسف القرمللى ، المهووس كشخص بالسلطة ، والذى غرس كحاكم مفهوم الدولة لدى مواطنيه. لكن يوسف باشا لم يمتلك صدق وشجاعة درغوت .. فكان يتعامل مع القوى الأوروبية بدهاء وخوف وطمع ، يخفيهما وراء ستار من الشراسة حيال رعيته.

البـعـد الجغرافي

كان العامل الجغرافى دائما أساسيا فى تحديد العواصم، وأبسط عنصر فى هذا الاختيار توسط العاصمة (كما هو الحال بالنسبة للقاهرة أو بغداد)، أو أن تقع فى مأمن عن الاعتداءات الخارجية ، والأهم أن تكون على مقربة من مصادر الثروة الأساسية فى البلاد كالأراضى الخصبة ، أو المناجم. لكن كل هذه العوامل تراجعت إثر الثورة الصناعية، التى خلقت مصادر جديدة لثراء العاصمة ومن ثم تمويل إداراتها وحكامها وجيشها. وهكذا أمسى وجود المصانع، وموانئ التصدير، والأسواق المالية عناصر هامة فى تعزيز تطور أى مدينة الى منزلة العاصمة في العصر الحديث. وحين تراجعت أهمية كل هذه العوامل، أمام زحف وسائل الاتصال ، بدءا من التلغراف فى القرن التاسع عشر، ظهرت العواصم الإدارية المحضة مثل واشنطن وبيرن وغيرها.

بشئ من التمعن نستطيع أن نرى أن طرابلس تقع على الساحل الجنوبى لمضيق هو خاصرة البحر الأبيض المتوسط ، بين صقلية ومالطا فى الشمال والساحل الأفريقى فى الجنوب. ومبكرا اكتسبت أهمية أخرى كمصدر للملح المستخرج من منطقة زواره ، والذي كانت تشتريه جمهورية البندقية.

لكن طرابلس وجنوبها الفزانى، اكتسبا أهمية جديدة فى القرون التالية، كإحدى البوابات التجارية الى وسط أفريقيا ، وكواحدة من أهم الطرق المأمونة للرحالة ولاستكشاف منطقة جنوب الصحراء. ومن هنا جاء اهتمام انجلترا بطرابلس. أما اهتمام فرنسا فقد ظهر عندما قاد نابليون حملته على مصر سنة 1798 من أجل فتح طريق للتجارة الفرنسية مع الشرق. فقام أولا باحتلال مالطا ، واتصل بيوسف باشا القرملى الذى أبدى استعداده للتعاون وقام بالفعل بتصدير الأبقار والأغنام الى القوات الفرنسية فى مالطا. كما كان بريد الحملة الفرنسية يبعث عن طريق القنصل الفرنسى فى طرابلس.

وقاد ذلك التقارب الجديد بين فرنسا وإيالة طرابلس الى تفجير أزمة حادة مع بريطانيا. وكان أن اتصل الآدميرال نيلسون (الذى دمر أسطول نابليون فى خليج أبي قير فى مصر، فيما بعد) بالباب العالى العثمانى يطلب ممارسة الضغوط على يوسف باشا. ونظرا لدقة الموقف، وتلكؤ يوسف باشا، بعث نيلسون بسفينة حربية بقيادة نائبه، وصلت الى طرابلس وقدمت مطالبها بطرد القنصل الفرنسى وعدم السماح للسفن الفرنسية بدخول ميناء طرابلس، واعلان الحرب على فرنسا .. على أن يتم ذلك خلال ساعتين! ولكن القصف الشديد بعد يومين ، أرغم الباشا على الاستجابة.

العاصمة وإعادة تعريف الوطن

استغرق تحول طرابلس من واحة ساحلية الى مدينة ومركز حضري ، أكثر من قرنين ، شابها كثير من الاضطراب السياسي الناجم عن انقلابات الانكشارية والأوبئة[1]، والمجاعات نتيجة الجفاف الدورى، وثورات البدو فى الدواخل.

ولكي تمسي طرابلس عاصمةً ، كان لابد لها أن توسع نطاق سيطرتها. وبالطبع سعى الولاة المتعاقبون، بدرجات مختلفة من الحماس والنجاح ، الى تحقيق ذلك بالحملات العسكرية ، واستمالة مشايخ القبائل. ولعل أول محاولة لمدّ سلطان طرابلس شرقا، كانت حملة عثمان بك الساقزلى فى سبتمبر 1640 على أوجلة ، الواحة الثرية نتيجة موقعها الاستراتيجى على تقاطع طرق القوافل. ومن تلك الحملة عاد عثمان منتصرا الى طرابلس وبرفقته إثنى عشر جملا محملة بالذهب ، حسب ما سجل معاصروه.

وكانت تلك الحملة بداية ضم بنغازى وشرق ليبيا، تحت سلطة طرابلس. ولكن القرملليون وظهور "قبيلة" الكراغلة ، هم من بدأ توحيد طرابلس ببقية ليبيا[2].

لكن وصول أحمد القرمللى الى السلطة ، يمثل في اعتقادي علامة فارقة فى تاريخ طرابلس وليبيا. فأحمد الذى كان ضابطا فى جيش الدولة، جاء من أسرة ترسخ انصهارها فى المجتمع الليبى، بدليل أن مؤرخا مثل الفرنسى شارل فيرو، يفسر ما حدث على أنه أول استلام لليبيين للسلطة فى طرابلس. وتأكد ذلك حين أقدم أحمد باشا على تصفية النخبة الحاكمة ذات الأصول التركية والأجنبية فى مذبحة شهيرة فى مأدبة ببيته فى منطقة الظهرة. ورغم أن تفاصيل الحكم القرمللي لم تختلف عن سابقيه ، إلا أنه حرص على توحيد ليبيا ، فقمع ثورات الدواخل كما فى تاجورا وترهونة ومسلاتة ومرزق ، والأهم أنه بعث ابنه ، محمود بك ، حاكما على بنغازى سنة 1720 .

تمويل العاصمة

كان محمد داى (1633- 1649 ) مستنيرا، وذا عقل منفتح وعملي. وقد مات مسموما .. وهو الذى طوّر تجارة طرابلس وخاصة تجارة الذهب مع ملك بورنو، مما رفع دخل طرابلس وحسن قدراتها البحرية. وكانت تخرج من طرابلس قافلتان سنويا عبر فزان ، تحمل المنسوجات والمعدنيات وخاصة الأسلاك والإبر والسكاكين، وتعود بتبر الذهب والتوابل والرقيق. وفى عهده دشنت صناعة المراكب، باستثمار مهارات صناع السفن من الأسرى المسيحيين، ثم مكافأتهم بإطلاق سراحهم. كما تم تقنين توزيع ريع القرصنة، بحيث يخصص نصفه للإنكشارية ، ونسبة 11% لبلاط الباشا.

وخلف عثمان قائد الجيش سيده المصلح محمد داى، ليبقى فى سدة الحكم 23 سنة، استطاع إبانها أن يحقق استقرارا ويطور المدينة ، ويشيد سوق الترك الشهير. لكن موته كان بداية لحقبة من التدهور فى أوضاع طرابلس، لم يوقفها إلا تأسيس دولة الأسرة القرملية فى 28 / 7 / 1711.

وإذا كانت العلاقات مع الخارج، سمة العاصمة ، فإن التجارة هى أول مجال لذلك التفاعل. ويعود أقدم عقد تجاري رسمى في طرابلس، إلى سنة 1675 ، في عهد الداى بالى، وكان بإسم تاجر من مارسيليا. من جهة أخرى فإن حركة الميناء تعطى مؤشرا على أهمية المدينة فى التجارة الدولية. وفى القرن 18 كان يأتى من البندقية الى ميناء طرابلس: ’’ .. مركب أو مركبان فى السنة من أجل التجارة فضلا عن المراكب الخاصة بتجارة الملح من زواره ، لشحنه الى ميلانو.

كانت هناك أيضا تجارة القوافل مع دواخل أفريقيا .. وخاصة تجارة الرقيق. وكلها كانت تعود بالدخل على الوالي وحكومته. لكن اتفاقية الصلح بين البندقية وطرابلس ، أدت الى تضاعف عدد السفن. وبالمقابل كانت تصل طرابلس أربعة مراكب فرنسية سنويا، محملة بالحرير والمنسوجات والنبيذ وغيرها. كما عمل القنصل الفرنسى على تصدير كثير من الأعمدة الرخامية من لبدة، بموافقة حكومة طرابلس، استخدم بعضها فى تجميل كنيسة سان جرمان فى باريس. !

القنصلية .. تعريف واعتراف

لم تكن بطرابلس ثروات تجنى كالذهب أو اللؤلؤ .. ولا كانت على طرق التجارة الدولية .. لكن طرابلس اكتسبت أهميتها من موقعها الاستراتيجي فى عصر التنافس الأوروبي وتوسعه الاستعماري. وهكذا بدأ افتتاح قنصليات لفرنسا (عام 1640) وانجلترا (سنة 1658) ، والبندقية، وفى ما بعد قنصليات لنابولى والسويد وهولندا. وكان وجود القنصليات الأجنبية يمنح التجار الأوروبيين شعورا بالأمان والثقة.

وفى 1730 جدد باشا طرابلس اتفاق السلام مع بريطانيا، ومما جاء فى الرسالة: ’’ .. الى صاحب الجلالة الذى لا يقهر، ملك وامبراطور دولة بريطانيا .. لقد وصل بكل ترحيب صاحب السعادة السيد كيبل قائد مراكب جلالتكم، وقدم إلينا رغبتكم فى تجديد اتفاق السلام والصداقة القائم بينكم وبين هذه الإياله. وبعد عرض الموضوع على ديواننا المستنير اتفق جميع أعضائه على أن التجديد هو من المصلحة والحكمة .. و قد أمرنا ربابنة سفننا المكلفين بالدفاع عن علمنا المجيد بأن يعاملوا جميع مراكب الدولة الإنجليزية التي يلتقون بها معاملة الأصدقاء ..’’. ورغم تلك الوعود حدثت اختراقات، أدت الى مواجهات، مثل قدوم فرقاطة انجليزية عام 1765 لتهديد طرابلس وتحرير مركب كان قد أسرته بحرية الباشا.

وفى الفترة نفسها ، انفجرت أزمة مع البندقية نتيجة دخول قراصنة طرابلسيين فى مياه خليج البندقية، هاجموا الشواطئ واستولوا على غنائم، وكان أكثرهم جرأة الرايس أحمد الأرناؤوطى. لكن الباشا على القرمللى كتب الى الدوج (رئيس البندقية) رافضا التهمة: ’’.. لأمير البندقية المجيد العظيم والصديق الحميم ( ندعو له بحسن الختام ) .. أنتم تدّعون أن الذنب يقع على بحارة جالوتى.. وليس على جنودكم .. ما هذا الكلام .. لقد أنزلتم بي العار .. وإما أن تدفعوا إليّ فدية الدم المراق ..‘‘.

وكان أن قطعت العلاقات الدبلوماسية، وأعدت البندقية حملة بقيادة الادميرال نانى الذى نجح فى " إقناع " طرابلس التى لم تكن تملك من السفن سوى .. ثلاثة شبابك وقليل من الجوالت..".

أوراق السفير هوية العاصمة

الدبلوماسية هي إدارة علاقات الدولة مع الخارج ، إعتمدت قديما على إرسال المبعوثين ، وحديثا على تعيين السفراء المقيمين. وقد تألق فى منتصف القرن 18، رجل اسمه عبد الرحمن آغا، ويشار اليه أحيانا بحاجى عبد الرحمن، ولقبه البديرى (1720-1792). ويبدو أن عبد الرحمن هذا كان دبلوماسيا محنكا ومراوغا، ولذلك نجد قنصل البندقية يصب عليه جام غضبه مرارًا وتكرارًا فى تقاريره السرية. لكن عبد الرحمن كان أول من حقق اتفاقية مفصلة مع البندقية فى سنة 1763.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في السبت 01 أكتوبر 2011, 14:17




لكن عبد الرحمن آغا كان مقنعا كوزير.. يصل البندقية فى اكتوبر 1763 ، وبعد اجراءات الحجر الصحى .. يستضاف فى دارة الزوار الرسميين، التى أثثت غرفها خصيصا على النمط الشرقى، مع تخصيص مبلغ للنفقات اليومية، وكان يرافقه 12 شخصا وترجمان تركي. ودخل في مفاوضات امتدت ثمانية أشهر .. الى شهر يونيه ، ختمت بتوقيع معاهدة صلح. وتأكيدا لمصداقية الرجل، استقبلت سفن البندقية فى طرابلس بعد أربع شهور، بسلام وحفاوة مع عتق 88 أسيرا مسيحيا.

وتصف لنا المس توللى شقيقة القنصل البريطانى آنذاك بكل دقتها وشغفها بالتفاصيل ، شخصية عبد الرحمن وزوجته وبيته ومأتمه. ولعله كان نموذجًا لنخبة طرابلسية منفتحة على العالم فى طورها الجنينى.

العاصمة .. مجتمع انصهارى


إذا كانت القبيلة، والى حد ما القرية ، تنمو من الداخل ، بالتكاثر .. فإن المدينة مركز جذب .. تنمو بالقادمين من خارجها ، للعمل فى التجارة ، الميناء ، وفى مراكز التعليم ، أو فى إدارات السلطة وجيوشها. المدينة إذن مجتمع إنصهارى ، فى حالة من التمازج المتواصل. وهذا التمازج يبلغ ذروته فى المدينة-العاصمة.

وإذا كان شيخ البادية ، يتحرك مع قبيلته ، فإن الحاكم الحضري بحاجة الى آلة ثابتة .. هيكل إدارى لتنظيم الأمور، وحفظ الأمن، وتحقيق السيطرة ، والحفاظ على وحدة الوطن، وصد العدوان الخارجي بجيش محترف، متفرغ للقتال مقابل راتب.

واذا كانت الغاية تبرر الوسيلة فى السياسة ، فإن الوسائل هى جوهر الدولة. فدوام السلطة يعتمد على آداء أجهزتها ومؤسساتها. وهذه الكفاءة لا تتحقق بتوظيف أبناء العمومة. فالمهارات يتم استقطابها من كل حدب وصوب. وهناك مهارات نادرة ، فأنت لن تجد مثلا، كثيرين يشغـفون بالملاحة، ويقضون الشهور فى عرض البحر، ويقاتلون من أجل مركب .. ثمة دوافع أخرى لابد من توفرها: حب المغامرة ، التحدى ، عدو جدير بالكراهية ، والإيمان بفكرة ما ، إضافة الى القدرة والمهارة. يصدق هذا المثال النادر، على شتى مراتب الدولة العليا ، وإن تنوعت المهام والدوافع. ورغم تضاؤل دور بعض هذه العوامل فى عصر الاتصالات والمواصلات الحديثة، إلا أن مزيج المؤهل والموهبة ما يزال أساسيا. والوظيفة في النهاية هى التى تختار وتصنع رجالها.

فى القرون 16 الى 18 ، كُتب تاريخ طرابلس بأسماء سلسلة من الولاة القساة، وقصيرى النظر، وشاحبى السّـيَر .. تفاوتت حكوماتهم بين المأساوى والمضحك .. وقلة منهم ، مثل درغوت ، طغت سيرتهم الرومانسية على ما حققوه بالفعل. لكن المدينة كانت تمر بتحولات أعمق، رغم ما عرفته من فترات شقاء وتردى من جراء الفوضى والحروب الأهلية والأوبئة .. لتكتسب هوية جديدة : مدينة تنتمى للعالم، وتخترق حواجز المحلى.

شهدت طرابلس مجئ وانصهار جماعات من الخارج: عرب ويهود الأندلس، المقاتلين الإنكشارية ، المسيحيين من بحارة ورقيق ومرتزقة. وكل هؤلاء امتصهم مجتمع المدينة ، ورغم اختفائهم كجماعات أو ثقافات متميزة، إلا أن قيمهم انبثت فى نسيج ثقافة العاصمة لتعيد تشكيل رؤية ’’الطرابلسى / ولد المدينة ‘‘ لذاته وللآخرين. من ذلك ما يتسم به أهل طرابلس من مرونة وصبر فى التعامل مع السلطة، وغياب الحدّة والانفعال فى استجاباتهم. وليست هذه إلا تعميمات، ثم أن تلك التحولات كانت بين مد وجزر مع امتصاص المدينة للوافدين من الدواخل، ومعهم قيمهم، وهؤلاء كانوا تيارا متصلا لم ينقطع عبر السنين.

وعلى صعيد وجدانى، تظهر طرابلس ارتباطا أكثر حميمية بالبحر، مقارنة ببقية مدن الساحل الليبى، حتى على مستويات بسيطة ويومية، مثل ثقافة الطعام !

تلك كانت سمات طرابلس فى مراحلها الجنينية قبل بضع قرون، أكسبتها هوية جديدة: كعاصمة للفضاء الليبى منذ منتصف القرن التاسع عشر.. وعاد الفضل الأكبر في ذلك إلى موقعها الجغرافي المتاخم للفضاء الأوروبى.


------------------------------------

[1] انظر كتابـى: تاريخ الأوبئة: أعاصير الفـناء الصـامـتة، الهيئة القومية للبحث العلمي ، 2006.
[2] انظر دراسة المؤلف: فى البـدء كان قـنــانه ، ضمن فصول كتاب: الوطن الذى يسـكننا ، دار عراجين ، القاهرة ، 2007.

[i] كانت بنغـازى تصدر الملح المستخرج من سباخـها المحلية. أما فى غـرب ليبيا، فكان الملح يصدر من زواره ، و كانت تجارته مقـصورة على الوالى، بينما احتكرت تصديره سـفـن دولة البنـد قـية.
[ii] انظر فـصل الرحلة المزدوجة وراء الأفـق، من كتاب توطين العلم أولا، للمؤلف، منشورات مجلس التنمية الثقافية، 2004.
[iii] اللقـب يعنى ذى اللحية الحمراء.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في السبت 01 أكتوبر 2011, 14:18

لأيام الطرابلسية (الحلقة الثالثة): أيام زمان

د. محمد محمد المفتي


يعود بناء قلعة طرابلس إلى العصر الروماني. وكان يطلق عليها أحيانا إسم لِحصار والآن تغلب تسميتها بالسراي .. وقديما كان يحيط بالقلعة خندق متصل بالبحر ، كما نستشف من تقرير لوفد فرسان القديس يوحنا يقول: ’’ طرابلس صافية الاديم و هواؤها صحي و هي غير معرضة للإمراض السارية و يبلغ محيط سورها 3728 خطوه ثلثاه يطل على البحر و الثلث الأخر يشرف على البحر , و يحيط بالقلعة خندق عرضه 44 خطوة و عمقه قصبتان ‘‘. وقد ردم الخندق في أوائل القرن 18.

ومدينة طرابلس القديمة ، كانت مدينة مسوّرة ، ذات بوابات .. منها باب المنشية وباب الخندق وباب البحر وباب زناتة ، والباب الجديد الذي فتح سنة 1870 وكانت الأبواب تقفل بعد الغروب. وإضافة إلى ذلك كان للمدينة أبراج أو حصون، ذكر منها المؤرخون حصون الشعاب والحميدية والكرمة والدباغ وحصن دار البارود والتراب والهدار وحصن المندريك حيث موقع الفنار .

يصف الرحالة الألماني رولفس طرابلس سنة 1869 فيقول: ’’ يحد البحر طرابلس من جهتي الشمال والشرق وهي على شكل مخمس تقريبا ويحيط بالجوانب الثلاثة الأخرى سهل من الرمال الأسوار منحدرة ومرتفعة منحدرة , ولو إنها الآن تكاد تكون متداعية. في الزاوية الشمالية الشرقية توجد القلعة... ورغم أن المدينة تبدو من بعيد وكأنها متماسكة وحصينة إلا إنها ليست قوية. والمرفأ الواقع في شرق المدينة محاط بالريف ويسير موازيا للشاطئ‘‘[i].




وفي خريف 1818 مر بطرابلس الرحالة الإنجليزي جون ليون ، في بداية رحلته إلى مرزق ، وفي مذكراته ترك لنا شذرات وصفية للحياة في مدينة طرابلس آنذاك: ’’وهناك منازل كثيرة لاستقبال التجار وتسمى فنادق. ولليهود حي خاص بهم .. وهم يحتكرون مختلف السلع ويغنمون من وراء ذلك الكثير .. ويلبسون عمائم زرقاء. وهناك عدد من المدارس .. لكن الإلمام بالقراءة والكتابة ليس أمرا ضروريا .. ويشغل المماليك المجلوبين من جورجيا وشركسايا ، أعلى المناصب. ووصل أحد المماليك ويدعى
مراد ريس ، وهو من مواليد اسكتلنده إلى وظيفة قائد الأسطول‘‘. والصورة المرافقة لقرار بخط القبطان مراد إلى التاجر حسن الفقيه حسن ، وتحته مدونة يقول فيها حسن الفقيه : ’’ وقع احساب بيننا وبين محبنا القبطان مراد رايس وتخالصنا إحنا ويـّاه ، ولا بقيت بيننا وبينه لا دعوي ولا حجة ..‘‘ [ii].

ويمضي ليون: ’’والحمامات العامة موجودة في طرابلس لكنها لا تتميز بالفخامة .. وأجر الحمام دون صابون يساوي ما قيمته خمسة بنسات وهو مبلغ كبير نسبيا. ويرتاد الرجال الحمامات في الصباح وتأتيه النسوة في المساء‘‘.

’’والعملة المستخدمة هذه الأيام تحتوي على 14% من وزنها فضة ، وقيمتها تنخفض يوما بعد آخر. ومن عادة القوم في مناسبات الموت عتق عبد أو إثنين. كما توزع الأطعمة على الفقراء .. وتتباهى كل أسرة بالإنفاق على روح فقيدها. وهناك نسوة يتكسبن من الندب والبكاء ودق الطبول على الفقيد ويطلقن الصرخات وتستمر الأحزان ثلاثة أيام‘‘[1].





وفي عصر يوسف باشا القرمللي ، مرّ الرحالة الإنجليزي الشاب آلكسندر ليـنج بطرابلس ، في طريقه إلى تمبـكتو عاصمة الذهب الأسطورية في العصور الوسطي. ولقي ليـنج حتفه في طريق عودته وكان لوفاته المأساوية انعكاساتها على علاقة القنصل البريطاني مع يوسف باشا والتي أدت بدورها إلى تدهور العلاقات بين بريطانيا والباشا.

يصف ليـنج طرابلس: ’’ .. تقع مدينة طرابلس , بما خلفها من نخيل باسق وأشجار تين ذات أوراق عريضة وأشجار التوت والزيتون المنتشرة إلى مسافات بعيدة , على رقعة من الأرض منبسطة قريبة من حافة الماء . والناظر إليها من البحر يشاهد منظرا رائعا , تبدو فيه جميلة قوية ومتينة التحصين , ويشاهد الأعلام القنصلية مرفرفة في الهواء والمآذن الطويلة لمختلف المساجد. ولكن هذه الصورة تتغير عندما يهبط المرء من السفينة إلى اليابسة , فالشوارع فيها ضيقة , و الجدران سيئة البناء يصيبها التصدع. أما قلعة الباشا , فهي بانفصالها الكلي عن بقية تحصينات المدينة مصممة كحصن دفاعي ضد الأعداء الأجانب والمحليين. غير أن العدو يمكنه بقليل من قطع المدفعية ومعدات المنجنيق أن يحدث فيها ثغرة. ويمكن الاستيلاء على طرابلس رغم مظهرها وما فيها من مدافع‘‘.

’’ يمتاز الريف المحيط بطرابلس بالمزروعات الممتدة إلى مسافات واسعة , وهومقسم إلى بساتين جميلة. والتربة شديدة الخصب والعطاء نظرا لطبيعة تكوينها من الطفل الممزوج بالرمل , وتنتج محاصيل القمح والشعير بالإضافة إلى كل نوع من أنواع الفواكه التي تجود بكميات وفيرة. وهنالك البلح والزيتون والتوت الذي يفيض بفاكهة كثيرة . وفي كل بستان بئر لري المزروعات , وتعتبر طريقة سحب الماء من البئر سهلة وفعالة بالعجل والبكرات‘‘.



’’وأكثر ما يلفت النظر فيها أخلاق سكانها وعاداتهم فهي تشبه عادات وأخلاق الأتراك في البلدان الأخرى. ولا يصعب على المرء في الشارع ملاحظة ما يتميز به الناس من هدوء وحسن سلوك وتصرف ونظام. وهم يعاملون الأجانب بأدب واحترام ولطف. وقد شهدت بنفسي مرحهم الصاخب خلال أعيادهم , ولكنهم لا يتسببون في ضرر لأحد. ولا بد من القول بأن النقيب لايون قد صوّر سلوكهم كما لو كان متعصبا ضد المسيحيين. ولكنهم أفضل الأتراك وأكثر منهم تسامحا. ومما يدعو للأسف أن معظم المسيحيين المقيمين في طرابلس هم من اللصوص والمجرمين الذين لو كانوا في بلد أوروبي لحلت بهم عقوبة الإعدام‘‘[iii] . ’’ أما تاريخ البلاط ومكائده في هذا البلد فيزخر بالقصص , وقد سمعت خلال إقامتي القصيرة تفصيلات لو قدمت لقصاص لحاك منها أروع الروايات‘‘.

وفي ما بعد مر بطرابلس الرحالة رولفس إبان العهد العثماني الثاني، ووصف المدينة أو ما نسميه اليوم المدينة القديمة بتفصيل أكبر، فقدّر ’’..عدد السكان في طرابلس حوالي 18000 نسمة ويبلغ عدد النصارى بينهم 3000 وعدد اليهود 4000. وتنقسم المدينة إلى خمس حارات , اليهود في الحارة الشمالية الغربية , أما الحارة الواقعة على البحر يسكنها غالبا النصارى‘‘. كما يشير إلى أن السلطات كانت قد بدأت ’’ تبليط بعض الشوارع وتزويدها بالفوانيس. ومنذ القدم تمتعت طرابلس بهذا الصيت فقد وصف ليون الإفريقي بيوتها بأنها جميلة إذا ما قورنت مع بيوت تونس. وتتألف بيوت المسلمين في الغالب من طابق واحد مطلية باللون الأبيض , وجميعها ذات سطوح مستوية. وفي وسط كل بيت فناء كبير , ومدخله ممر متعرج به مصطبة حجرية حيث يستقبل رب البيت زيارات العمل. وتطل جميع الغرف على الفناء وهي دائما طويلة وضيقة. وفي كل بيت صهريج ( ماجل ) يجمع فيه من السطح ماء المطر العذب. أما ماء البئر فيستخدم في الغسيل وغالبا في الطبخ‘‘.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الأحد 02 أكتوبر 2011, 23:25



ومن الأبنية العامة في طرابلس قصر الباشا . وهو مبنى غير منتظم , خالي من أي فن معماري وهو ثكنة وسكن للحريم , ويضم العديد من منازل الموظفين‘‘.

’’ هناك خمس جوامع بالمدينة، وكنيستان إحداهما كاثوليكية والثانية أرثوذكسية. ولدى الرهبان مدرسة لأطفال الأهالي المسيحيين. ويضم الدير مستشفى. وليس للعثمانيين سوى مستشفى عسكري واحد يقع خارج المدينة‘‘.



’’.. وتوجد دكاكين أوربية كبيرة حيث يمكن شراء كل شئ. وهناك شوارع للنجارين والصاغة والسراجين والحدادين .. الخ. كما توجد ثلاث صيدليات. وينعقد أسبوعيا سوقان خارج المدينة وهما سوق الثلاثاء أمام الباب الجنوبي للمدينة وسوق الجمعة أمام الباب الغربي ويجتمع فيهما ألاف الأشخاص من جميع أرجاء الإيالة ، وهذه الأسواق في غاية الطرافة. ولم يعد يباع الرقيق علنا
إلا إنه يباع في السر. وفي طرابلس يدفع لشراء سوداء جميلة 120 ريال ويبلغ سعر الشركسية 300 ريال ويزيد ، وأما الفتيان السود فيتراوح سعرهم بين 70 – 90 ريال . وفي العام 1850 بيع 1500 رقيقا بقيمة إجمالية قدرها 300,00 فرنك‘‘.

’’ هناك مخفر رئيسي وحراسة جمركية وحراسة للسراي. ويتولى شيخ البلد أعلى دائرة للبلدية ، ورغم أنه لا يتقاضى مرتبا إلا أنه أغنى رجل في طرابلس. ويدعى شيخ البلد الحالي على القرقني ‘‘.

’’وتمتلك جميع الأمم الأوربية قنصليات في طرابلس. وأما الجالية الأوربية في طرابلس فـتعيش على التجارة فقط تقريبا. وهناك نزل واحد لاستضافة الأوروبيين‘‘.

’’ وأما المواصلات البحرية فإنها بصدد التزايد وتزيد عن 450 مركبا صغيرا سنويا ، مجموع حمولتها حوالي 30,000 طن أي ما يعادل حمولة 12 من بواخر اللويد الألمانية الشمالية. وسلع التصدير الرئيسية هي : الحبوب والزيت والفواكه ( التمر , والبرتقال , والليمون الحامض ) الفلفل الأحمر , المواشي , الصوف , جلود مدبوغة , السمن , العاج , الشمع , ريش النعام , غبار الذهب , الرقيق , شئ من الصمغ العربي , السنا , النيلة , النطرون , الإسفنج , والمصنوعات اليدوية مثل الحصر والسلال والسجاد. وأما سلع الاستيراد فهي قماش الكتان المالطي والمحمودي من انجلترا , والمناديل , والأقمشة الحريرية والمخملية وخردوات ومواد غذائية والقهوة والسكر وصبغيات وخمر وكحوليات والتبغ والكبريت والخشب والمعادن والأسلحة والجلود المصنعة والورق وسلع نورنبرغ , والبورسلان , واللؤلؤ الطبيعي , واللؤلؤ الزجاجي , والمحلي والفضة (في شكل قطع 5 فرنكات وريال ماريا تيريزيا ) والساعات والأثاث‘‘.




قد تبدو مدينة طرابلس القديمة اليوم مجرد حارة صغيرة. لكنها بأحيائها الخمسة وأسواقها المسقوفة ومساجدها ، كانت توفر سكنا لعشرين ألف نسمة. وكان حي باب البحر منطقة للجاليات المسيحية من طليان ومالطيين ويونانيين ، وبه كانت القنصليات الأجنبية.

قد تبدو طرابلس في كتابات الرحالة باردة ودون حياة. لكن من يقرأ يوميات حسن الفقيه حسن الذي عاصر أواخر العهد القرمللي ، فإنه سيجد فيها شيئا أشبه بالفقرات التلفزيونية أو سيناريو الأفلام التي تنبض بالحياة بكل مظاهرها. والفقرات التالية مختارات من تلك المدونات بأرقامها كما وردت في الكتاب المحقق. يقول حسن الفقيه حسن:

’’ .. أيضا يوم الخميس .. توجه الرايس محمد قره باش من المحروسة طرابلس غرب إلى بنغازي ومعاه الحاج ابراهيم النوفلي من شان قضية أوجلة ؛ لأنه أخبرونا : ناضوا على عيلة الفضيل ..‘‘.

’’ قدموا علينا خياله من غريان وأخبروا سـيدنا – دام عزه – بأن عرب غريان هدت على سيدي على باي : سـبـيب وتريس .. بشتكوا من الشيخ ومن الكاتب متاعهم الفقيه بلقاسم . وأما الوطن متهني والسلام‘‘ [[iv]1328].

’’ أيضا يوم الخميس رفعوا بـِيان [مهر] ولد حواء العلجية من الحصار [القلعة] –– على بنت سيدي محمد باي قرمانلي بالسانية , ومشوا معاه مخازنية و5 من خدم سيدنا – دام عزه – ولن معاهم طبالة ولا زمزامات ولا غيره ، وذلك لأجل جابوا خبر مسعود بن عامر ونسيبته مسعودة شرتع اللي توفوا في بـر الحجاز‘‘ [1374].

’’ اجتمعوا القناصل .. بحوش القنصل الفرنساوي وعملوا ديوان من أجل المراكب التي جاءت من سكندرية ؛ واخبروا أن في مصر ونواحيها وسكندرية مرض كثير. واتفقوا على تطريد المركب , وبعده توجهوا إلى سيدنا جملة إلى الحصار وتكلموا معاه .. وبيتوا [قرروا] : على انه يبغوا يطردوهم على يد سيدنا‘‘ [1375].

’’ يوم الاثنين قدم علينا رقاص من فزان وأخبرنا : بأن فزان ملكوها أولاد سليمان الذين مع الشيخ عبد الجليل .. ‘‘ [1379] .

’’ أيضا يوم الأربعاء قدموا علينا جوز خياله من سيدي على باي وبيدهم جوابات وأخبروا بأنهم وقعت عندهم عركة وصار الموت من مصراته والساحـل وزليطن وغيره من العربان .. ويبغى الباي بارود .. ويبغى الناس طبجية .. وربنا يصلح الأحوال‘‘ [1416].

’’سافر الرايس محمود ولد قميرة من محروسة طرابلس غرب إلى بنغازي , وأرسلنا معاه عدة أوراق إلى سيدي الباي خليل وإلى أخينا الحاج محمد بيت المال وغيره , وأرسلنا مع الرايس المذكور عباءة وزنبيل فلفل من عند بن شوشان إلى بوشناف بن دخيل , وأيضا مع المذكور ثلاثة حوالي [جرود] .. إلى حوش الرايس عمر يبغوهم للبيع : أما حولي الكشنيلية يبغوا بحقه صابون , والآخرين سعر 3 ½ يبغوا بيهم سمن , والحوالي المذكورين أرسلناهم إلى الحاج حسن الكعامي وكتبنا جواب إليه في تسليم الدراهم التي لنا إلى عبد الرحيم‘‘ [1452].

’’ يوم الجمعة عيّـدْنا العيد الكبيرة , وتوجهنا نحن وجماعة البلاد مع سيدي الحاج أحمد بن لطيف شيخ البلاد إلى سيدنا – دام عزه – وعيّدنا عليه .. ورحنا إحنا والشيخ ورفع الجماعة إلى حوشه وحط لهم حلاوات وقهوة وشربات , وبعدها توجهنا معاه إلى حوش سي محمد الدغيس وإلى مصطفى قرجي رايس المرسى والسلام‘‘ [1509].

’’ يوم الأحد أرسلت لنا للا مريومه حريم سيدنا – دام عزه – وذلك مع روزا الذمية تقول : للا تسلم عليك وقالت لك : فاطمة الخادم التي سابقا هاربة ، [موجودة] عندها .. [إن] كان معتوقة أعطيها عتقها وإن كان هي مملوكة نعطيك ثمنها ؛ فقلنا لها: هي معتوقة لرب العالمين . وبعد ذلك عطينا عتقها بيد شيخ البلاد وأرسلتها لها على يد على الوصيف [الخادم الزنجي] [1515].

’’يوم السبت ... وبحساب الروم في 28 من مايو سنة 1831 وقعت فيشطة متاع الراي [ملك] الانقليــز عند القنصل الانقليز وعمل بدكان جانبوبه الرومي المالطي ثلاثة بتاتي شراب وتينده قدام الدكان , والبنديرة الانقليزية فوق الدكان , ونبه القنصل المذكور على جميع النصارى السدتو متاعه : كل واحد يأخذ بوتيلية شراب , والذي عنده فاميليه يأخذ على عددهم. وتوجهوا إلى القنصل جميع القناصل الذين بطرابلس غرب , وكذلك فيه ناس مسلمين توجهوا إليه وباركوا له وفرح بهم غاية الأفراح والسرور هو وإبنه فادريك وأرسل إلى سيدنا – دام عزه – وطلب منه أربعة مدافع من متاع المحلات لأجل يضربوهم , فعطاه سيدنا أربع مدافع بكراريصهم جابوهم إلى البحر قدام الكشك ، جابوهم طبجية القاجيجي وطلقوهم وروحوا بيهم والسلام‘‘ [1308].

’’أيضا يوم الأحد ... قبل العصر , توجه محبنا سيدي الحاج محمد بيت المال من محروسة طرابلس غرب الى بنغازي في سكونة [مركب] قبطان مراد رايس , وأرسلنا مع محبنا الحاج محمد بيت المال جوزين دبالج فجرة الى محبنا الحاج حسن لكعامي .. وأعطينا ناولون قمح وشعير .. هذا تمام أمانته – وربنا يحمله بسلامة – بتاريخ أعلاه‘‘ [1355].

’’ وقع عند للا الجهانية مرض كثير – وهي لها أيام وهي مريضة – وحولوها من الحصار [ القـلعة ] وهي مريضة , وعيطوا عليها ليلة السبت المذكور وبعده فاقت. ويوم السبت المذكور في ساعتين ونصف من الاثنى عشر ساعة بعد الطناش توفت وسارت الى عفوالله – رحمة الله عليها وعلى جميع المسلمين – توفت بسانية سيدنا – دام عزة –والحرامات معاها كلهم. ودفنت يوم السبت المذكور أعلاه عن العصر في سيدي الشيخ الشعاب .. محاذية قبة للا حويوة , وعتقوا عليها عبيد وخدم .. ومشت مخازنية معاها وأهل البلاد , ومشينا الى سيدنا .. ومشينا مع الجنازة وروحنا قبل المغرب بنصف ساعة‘‘.

’’ ليلة الجمعة 14 ربيع أول 1246 هـ ، تغيرت القمر نحو ساعتين وبعده انجلت‘‘ [1180].

’’يوم الثلاث عند العصر انزاد فيه وليد الى سيدي إبراهيم باي قرمانلي – يكون بالبركه عليه‘‘ [1238].

’’ بعثنا مع الرايس عبد الله حفيض من محروسة طرابلس غرب الى بنغازي الى سيدي الباي خليل وغيره : عشرة خوابي زيت , وكذلك برسيل تمر للباي من عند بن رمضان هدية .. وجوز صناديق متاع منصور عبيدة‘‘ [1251][v]

تـجــــارة الصحراء

لعدة قرون لعب الليبيون دورا هاما في حركة التجارة العابرة للصحراء. وكان حيّ الغدامسية أكثر الأحياء ازدهارًا ، في تمبكتو عاصمة تجارة الذهب في العصور الوسطي.

كانت أهم السلع التي قامت عليها تجارة الصحراء، جلب الرقيق والذهب الى الشمال، ونقل الملح الى الجنوب أو بلاد السودان (حاليا السودان وتشاد). وكانت القوافل تعود الى الشمال بالعاج وريش النعام. وكان الملح سـلعة هامة تصدرها ليبيا الى بلاد السودان، وفي العصور الأولى كان يبادل بوزنه ذهبا أحيانا.

كما كانت هناك مبادلات أقل حجما وربحا، مثل الصوف والقطران والأغنام والجلود من برقة، وتمور أوجلة ، ولوز الجبل الأخضر، والتمور الفزانية. ومن سرت الشبّ المستعمل في دبغ الجلود وتثبيت الأصباغ والأدوية. وعبر طرابلس كانت تصدر الى الجنوب مصنوعات مدينة البندقية في إيطاليا ، مثل آنية الزجاج والنحاس والأسلحة. وعبر ليبيا كانت تصدر المنسوجات المصرية.

ولفترة طويلة ظل الجنوب الليبي أو فزان خاضعا لنفوذ مملكة كانم السودانية المسلمة ، التي امتد نفوذها حتى ودان شمالا. وكانت دوافع الهيمنة السودانية ، هي السيطرة على الملاّحات الصحراوية، وتأمين طرق القوافل خاصة مع غرب أفريقيا مصدر الذهب آنذاك. وجاءت بداية تحرر فزان على يد أسرة أولاد محمد المغربية الأصل ، الذين أسسوا عاصمتهم في مرزق واستمرت دولتهم إلى عام 1811، حين قتل آخر سلاطينها من قبل المكـني ، قائمقام يوسف باشا القرمللي حاكم طرابلس. وفيما بعد، في الفترة من 1831 الى 1841 قاد عبد الجليل سيف النصر، زعيم قبيلة أولاد سليمان، حركة تمرد ضد الأتراك[2].

في العصور الوسطى كان ثراء غانا أسطوريا، وقيل أن أميرها كان يملك قطعة من الذهب وزنها ثلاثين رطلا يربط اليها حصانه. وكانت غانا بوابة لعدة إمارات مجاورة أو ’بلاد الذهب‘ التي شملت أجزاء من السنغال ومالي وموريتانيا. لكن القصة التي ألهبت الخيال، كانت ولا شك رحلة ملك مالي منسا موسي الى الحج ومروره بالقاهرة، وكان معه مائة حمل من التبر وزن كل حمل ثلاثة قناطير.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الأحد 02 أكتوبر 2011, 23:27


تجـارة الرقـيق


يقدّر الباحثون أن قرابة 2500 عبد كانوا يصلون مرزق سنويا ، إبان حقبة الرقيق. ولدينا شهادات حديثة نسبيا عن أسواق النخاسة هناك ، سجلها الرحالة أمثال جون ليون[vi] سنة 1818، وجيمس ريتشاردسون[vii] عام 1845. لكن تأسيس الخطوط البحرية بين أوروبا وسواحل غرب أفريقيا أدى الى تحول تجارة الرقيق بعيدا عن الصحراء ، خاصة مع ازدياد الطلب عليهم في جزر الكاريبي وجنوب الولايات المتحدة للعمل في مزارع القطن وقصب السكر.

ومع نهاية القرن 18 فقدت فزان كثيرا من أهميتها كممر تجاري ، بالنظر الى نضوب تجارتها مع غرب أفريقيا. وتراجعت قوة وثروة مرزق[viii] وغات وغدامس، التي كان المثل الشائع فيها ’’ دواء الجرب القطران، ودوا الفقر السودان‘‘. وهكذا هُجرت واحات وخربت أخرى واختـفت تجمعات سكانية.

ثم جاءت قوانين تحريم الرق الدولية (سنة 1833). ومع ذلك استمر تهريب الرقيق الى السواحل الليبية حتى بدايات القرن العشرين. وانتقلت تجارة الصحراء ، دون ذهب ولا رقيق ، الى أيدي سكان أوجلة مع الشرق ومصر، وإلى تجار سوكنة. كما انتعشت الكفرة ، ربما بحكم موقعها في شبكة زوايا الطريقة السنوسية.

كان الرقيق يجلب من مناطق " برنو " , " تباو " , " باغرمي " , " تيغري " , " كانو " و" واداي " وغيرها في مناطق الصحراء جنوبي ليبيا ، أو ما كان يعرف بالسودان الشرقي والغربي .. أو الآن السودان ، وتشاد والنيجر ، وكانوا يعرفون بأسماء مناطقهم مثل الباغرمي واالبقرماوي والبرناوي والواداوي. لكن ليس كل من حمل مثل هذا اللقب ، رقيقا ، بل كان هناك تجار وشيوخ دين من تلك البلدان انتهى بهم المطاف للاستقرار في ليبيا. وقد اشتهر في طرابلس العديد من تجار الرقيق مثل أبوحميره والشيباني وبانون والشريف والمدني وبن عصمان الأناضولي ومانع الغدامسي .

وكان سعر الرقيق يقيـّم بإحدى العملات المتداولة أو مقايضة بقيمة جملة من السلع، ففي عام 1761 م نجد أن قيمة الأمـَة السودانية أحد عشر ماية ريال أو مائة غراف زيت ، أو جملا وثلث. وكانت قيمة الرقيق تمثل نسبة 50 % أو أكثر من القيمة النقدية للقافلة. وفي عام 1852م ، بلغ متوسط سعر العبد أو الأمَة الخاليين من الأمراض و العيوب في أسواق طرابلس ما بين الستين و المائة والعشرين محبوبا للذكر ، بينما كان سعر الأمـَـة 85 محبوبا.

كانت رحلة الرقيق عبر الصحراء تجربة بائسة ومحزنة ، كما كانت نسبة الوفيات بينهم عالية بسبب ما يلاقونه من مشاق الطريق أو تعرض قوافلهم للغارات. والأكيد أن التجار كانوا يعاملون العبيد معاملة سيئة , بضربهم و تعريتهم , و تجويعهم لغرض التقليل من مصاريف الرحلة. حتى يصلوا إلى مراكز البيع والراحة في فزان , و غات , و غدامس .. و قد أكد مدير غدامس مثلا في رسالة ( مؤرخة في 17 ديسمبر 1850) بعث بها الى باشا طرابلس أحمد عزات باشا ، يخبره فيها بأنه نبـّه " على جميع التجار الذين يجلبون العبيد من القبلة إلى طرابلس أو إلى بنغازي أو الى سائر المحلات .. يلزم أن يكون لهم ترتيب في كيفية الركوب على الإبل , وتوفير ما يلزمهم من الأكل والشرب وعدم التعرية ".

وعند وصول القافلة الى طرابلس ، يعرض العبيد في السوق ويقوم سماسرة بالمنداة على الأمة أو العبد ذاكرًا أوصافهما , مؤكدا خلوهما من الأمراض و العيوب. وفي مايو 1848 وصلت إلى طرابلس قافلة من فزان تحمل 500 عبدا.

وكانت تجارة الرقيق تدرّ على الإيـالة دخلا سنويا كبيرا. هناك رسوم المرور التي تدفعها القوافل التجارية وقوافل الرقيق في كافة المناطق التي تحل بها مثل مرزق , وغات , وغدامس. وعند وصول القافلة إلى طرابلس تدفع عن الرقيق جمرك لباب المنشية قيمته 9 محابيب عن كل عبد , ثم ثلاثة محابيب لجمرك باب البحر عن العبيد المصدرين من ميناء طرابلس. وفي سنة 1864 كان ريع الإيالة 57304 محبوب. ويسجل حسن الفقيه في يوميته لشهر أبريل 1830م أن لسوق العبيد لـِزمة خاصة به , وأن للملتزم ريال دورو من المشترى عن كل رأس عبد يباع. وفي وثيقة تعود إلى سنة 1842 ، يشكو فيها مقدموها من بعض تجار الرقيق بطرابلس الى الوالي محمد أمين باشا ، من الضريبة المقررة على العبيد، ويقولون : ’’ .. و نحن أناس على باب الله المطلوب من حضرتكم السنية أن تعملوا معنا شيئا يناسب في ذلك لأننا فقراء و من خدام الدولة‘‘.

ولم تخلو تجارة الرقيق من مشاكل. فقد يشترط المشتري على البائع ألا يدفع الثمن كاملا حتى يتأكد من خلو العبد أو الأمَة من الأمراض, أو حتى تـتـم تجربة العبد أو الأمة لمدة معينة. ومن المشاكل أيضا عدم بقاء الرقيق لدى مالكه الجديد. وفي وثيقة تعود إلى تلك الفترة نقرأ شكوى أحد المشترين: ’’.. وفي الثالث يوم هربت و أتيتك و أنت في سوق الثلاث بمحضر جماعة و قلت لك أمَـتــُـك هربت ، فقلت لي لقيتها بقرب زاوية الشيخ الماعزي وعندها دبلجها الذي كانت متحلية بها وقت البيع‘‘.

في تلك الفترة كانت حياة الرقيق بين أسيادهم على درجة طيبة من التسامح وحسن الرعاية. وكان العبيد يعيشون فرادى أو جماعات في زرائب أو مع أسيادهم. وكانوا يعملون في الزراعة والرعي والصناعة. بينما تستخدم الأمة في الأعمال المنزلية كالغسيل والتنظيف والرحى والطهي.

وكان إقتناء الإماء في البيوت ظاهرة اجتماعية شائعة حتى أنه أصبح في الغالب لا يعقد نكاح إلا ويكون أحد شروطه أمة أو اثـنـتين للعروس. ففي عقد قران حسن بك بن محمد آغا ترجمان كرسي إيالة طرابلس كان الصداق المعجل ’’ .. زوج أردية حرير بالبوشية و زوج أردية حرير صادة و زوج كرادي و زوج مراقيم ومرآيات ، وأمة من رقيق السودان‘‘.

وكانت هناك أعراف تنظم علاقة الرقيق بسيده. فإذا اقترف العبد جرما ما , كالسرقة أو القتل أو غيرها من الأفعال التي يعاقب عليها القانون صار سيده مطالبا. و للسيد الحق في تزويج أمته لمن شاء و في الغالب يزوجها لعبد يملكه. وللسيد حق التمتع بأمته والتسري بها , و إذا ما أنجبت له أصبحت أم ولده , ويكون من حقها شرعًا وعرفـًا أن تعتق. وفي إحدى الوثائق القديمة نقرأ أن فلان ’’.. بمحروسة طرابلس غرب أعتق أمته الجنزية ( كذا ) المسمات مسعودة .. أفناوية البلد من رقيق السودان طويلة القامة حالكة السواد ، وألحقها بأحرار المسلمين فيما لهم وعليهم بحيث لا يكون لأحد عليها سبيل ... رجاء أن يعـتـق بكل عضو منها عضو منه من النار‘‘. وقد يتبرع أهل البر والإحسان بمبالغ من المال كصدقات لغرض تحرير الرقيق. كما يعتق العبيد صدقة على ميت. وقد يوصي أحدهم بعتق عبده بعد وفاة المالك، على أن يقوم العبد بخدمة سيده أثناء شيخوخته أو طيلة فترة مرضه حتى مماته.

صـناعات طرابلس

في سنة 1818 سجّـل الرحالة جون ليون أنه ’’ يوجد بالمدينة حوانيت كثيرة ، كما توجد شوارع مسقوفة رصت على جانبيها بعض المحال الصغيرة. وهناك يقف المزايدون يبيعون العبيد والسلع .. ويعقد كل أسبوع سوقان كبيران ، أحدهما يوم الثلاثاء في مكان رملي خلف طرابلس، والآخر يوم الجمعة على بعد أربعة أميال من المدينة في حدائق المنشية‘‘.

شملت أسواق طرابلس في القرن الثامن عشر أسواق الخضرة وسوق القزدارة وسوق الصياغة، وأسواق البقالين والسراجة والسبابطية والحدادة ، وسوق الرباع وسوق الترك وسوق الحطب وسوق الرقريق وسوق الفنيدقة وسوق الخبز. وكان هناك سوق الجمعة و سوق الثلاثاء كأسواق عامة ليوم واحد في الأسبوع.

وكانت المنسوجات أهم صناعات طرابلس ، فالجرد أو الحولي المصنوع من صوف الأغنام ، كان لباس الرجل الليبي. واشتهرت منطقة الجبل الغربي بصناعة الجرود الرجالية رفيعة الجودة. ولذلك كان الصوف سلعة هامة ، تجمع في موسم جز الأغنام بمكان يعرف برحبة الصوف ، ويباع بمقادير تسمي جزات وشلوفات وعرائر.

وكان الرّدا (جمعها ردية) لباس النساء. وعرفت طرابلس حرفيين مهرة في صناعتها. وأصبح لا يعقد عقد زواج إلا و يشمل المهر عدد من أنواع هذه الأردية ، مثلا رداءان اثنان حرير و مرقوم ، ردا حب رمان ، ردا جناح مقنين. وكانت بعض النسوة يقمن بنسج الردية في بيوتهن .

وهيمن الصاغة اليهود على صياغة الذهب والفضة في طرابلس. وتحفل سجلات محكمة طرابلس بقضايا تلقى الضوء على علاقات الصاغة ومشاكل تلك الصناعة. ففي دعوى سنة 1847 ، تقول المدعية بأنها .. "وضعت نصف رطل فضه لدى الذمي نسيم شحيمة .. على أن يصغ لها شعرية بثلاث أواق وعنابر بثلاث أواق وحجابات بوقيتان ومات قبل أن يصوغ لها ذلك. وهي الآن تطلب خلاصها من خَـلَـف الهالك المدعى عليه . . ‘‘ وطالبت مدعية أخرى المدعى عليه ’’ بأربعمائة قرش وخمسون قرشا دفعت للمدعى عليه الذمي طيون بن هارون ليصيغ لها زوج دبالج و زوج خراص فضة نقية و الى الآن لم يضع لها ذلك‘‘. وكان كافة ما يصنعه الصاغة من حلى ذهبية وفضية يعرض على أمين الصياغة لمراقبته من حيث جودة الصنع و العيار , و يضع ختمه على ذلك ثم يمنح ورقة تفيد الوزن و العيار.

وفي سنة 1851 م تم تقنين أسعار الخبز بحيث أصبح الخبز المحور يزن 320 جراما تقريبا , وخبز السميد يزن 448 جراما تقريبا وخبز الدقيق يزن 480 جراما تقريبا ، كل بسعر عشر بارات. كما وضعت قيم للمكاييل والأوزان.


الجدول الرسمي للأوزان والمكاييل

المستعملة إبان العصر التركي

كيل المنسوجات

الهندازة ( 68 سم) ، والذراع العربي ( 49 سم).

كيل الأراضي

الذراع الملكي ( 50 سم) والحبل ( 70 ذراع ملكي أو 35 مترا)

مساحة الأراضي

تقاس بالجابية ( 1225 مترا مربعا) ، والجدولة حوالي 12 مترا مربعا.

كيل الحبوب

كيل الحبوب وهي المرطه ( 20 حوالي ليتر) والويبـّة وتساوي 14 مرطه.

كيل السوائل

الغراف ( 2 لتر وثلث) والجرة (حوالي6 غراريف أو 14 لتر.

أوزان السوق العادي

الوقـّه (كيلو وثلث) والقنطار(40 وقة ).

أوزان العطارة

وحدتها الوقية ( حوالي32 غرام)، والدرهم عشر أوقية أو 3.2 غرامات.

أوزان ريش النعام والصوف المغزول

وحدتها الرطل ويساوي نصف كيلو ، وينقسم إلى 16 وقية.

أوزان الفضة والحرير

وتكون بالوقية ( حوالي 30 غرام ، والدرهم ويساوي عشر الوقية.

أوزان الذهب

وتكون بالمثقال (4.6 غرام) والخروبة وهي 1/16 من الدرهم (خمس غرام).


وعرفت طرابلس حركة تجارية نشطة مع الخارج. ومن اهم السلع المصدرة الى تونس : الشعير والمصنوعات الحريرية والنطرون والعبيد والفلفل والحلي. وكانت طرابلس تستورد القطران من سوسة أما البضائع المستوردة من مصر فشملت الأقمشة والأرز والفول والقطن والسيوف والطواقي والكركب. ومن تركيا كان تجار طرابلس يستوردون اللفة والجاوي والحرير والقرنفل والنشادر والخشب والدخان. وقد اشتهر العديد من التجار الأوروبيين في أسواق طرابلس نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر التاجر المالطي زوزابي فتيين والتاجر السرديني سيتسيوبي انتوبي , والتاجر الانجليزي هلول، والنابولي سنسيتو و التوسكاني جاكمو كربلا. وكان أهم ما يصدر من طرابلس إلى أوروبا الشعير والتمر والزعفران والجلود والزيت.
وما من شك أن استقرار الأسواق مرهون باستقرار العملة وقوتها الشرائية. وفي تنبيه عن العملة أصدره الوالي محمد رائف باشا في 1836 م ، حذر فيه من يخالف هذا التنبيه بأقصى العقوبة : ’’ الحمد لله هذه صورة تنبيه على السكة نصها هاذا ( كذا ) تنبيه وتوضيح ليعلمه الخاص و العام في مصارفة السكة متاع طرابلس وغير طرابلس فالأول منها بارة ببارة نحاس وثانيها أي قرش طرابلس متاع يوسف باشا صرفه بماية بارة نحاس أو فضة وريال نجيب باشا متاع قرش وربع بماية‘‘.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الأحد 02 أكتوبر 2011, 23:28

متى تصبح المدينة قديمة ؟
حتى المدن تفقد وظيفتها .. لها عمر افتراضي ، ويبدو أن مدينة طرابلس ضاقت بسكانها ، الذين انتقل الكثير منهم إلى المناطق المحيطة: شارع الزاوية وميزران والظهرة والمنشية وزاوية الدهماني .. ، بعضهم بحثا عن سكن فسيح ، وبعضهم اضطرارا لرخص الأرض. ونلمح الإحساس بأزمة المدينة في رسالة من إمامي محلتين إلى الوالي العثماني ، محررة في 19 مايو سنة 1906.

’’لحضرة عالي مقام حامي الولاية[ix]

ما يعرضه عبيدكم

يوجد داخل بلدة طرابلس الغرب ست محلات منها الحارة الكبيرة و الحارة الصغيرة خاصة باليهود و محل سكناهم . محلة باب البحر منذ القديم يسكنها المسلمون و الأجانب ، ومحلات البلدية و كوشة الصفار و حومة غريان يختص بسكناها المسلمون. إلا انه لما أنشئت مباني كثيرة خارج المدينة رغب بعض المسلمين في الانتقال إليها وأجروا المساكن التي كانوا يملكونها داخل المدينة لليهود والأجانب فزاد بذلك عددهم. ولما اخبرنا الولاة السابقين العظام بان ذلك سبب إلى بقاء المساجد و الجوامع في حالة خلو و تعطل أصدروا أو أمرهم السامية بأنه حتى لا يسكن في المحلة شخصا غير مرغوب فيه يكون تأجير المساكن مربوط بعقود تحرر من قبل أئمة المحلات. إلا ذلك لم ينفذ و أخذ الأهالي في تأجير أملاكهم بلا عقود ويبيعون دون أن يرجعوا أحدا. إن محلتي البلدية و كوشة الصفار متصلتان ببعضهما و تحتويان على 21 مسجدا و 700 مسكنا .

و كما إن كل مسلم غيور على دينه فالله أيضا غيور. إننا نقدم هذه طالبين إجراء الأعمال الصالحة على يديكم وذلك بمنع بيع أملاك المحلتين المذكورتين لليهود والأجانب.

إمام محلة البلدية ( الختم غير مقروء ) ,

إمام محلة كوشة الصفار: محمد بن موسى‘‘


_______

* للوصول إلى كافة الحلقات ومقالات وكتب اخرى للدكتور محمد المفتي اضغط هنـــــــــــــــــــــا

[1] ص 7 إلى ص 20 من كتاب "من طرابلس إلى فزان": مذكرات الرحالة الإنجليزي جون ليون ، ترجمة مصطفى جودة ، الدار العربية للكتاب ، طرابلس-تونس ، 1976.

[2] انظر كتاب ’ ثورة عبد الجليل سيف النصر ضد الحكم العثماني‘ تأليف د. محمد امحمد الطوير، مطابع الوحدة العربية ، الزاوية، 2003. والكتاب معزز بوثائق هامة.


_____

[i] ص78 إلى ص 87 من كتاب: رحلة من طرابلس إلى الإسكندرية ، تقارير الرحالة الألماني غيرهارد رولفس عن رحلته سنة 1869 ، ترجمة د عماد الدين غانم ، مركز الجهاد للدراسات التاريخية ، 2002

[ii] ص 146 وص 261 من كتاب اليوميات الليبية ، تحقيق الأسطى وجحيدر ، مطبوعات مركز جهاد الليبيين ، 1984.

[iii] ص404-408 من كتاب "رحلتـان عبر ليبيا" مكتبة الفرجاني ، 1974. والـفـقـرة مأخوذة من رحلة ورسائل آلكسندر ليـنج ، التي تشغل الصفحات من 169-436 من ذلك الكتاب.

[iv] الأرقام تشير إلى ترقيم المحقق ليوميات الفقيه حسن.

[v] بتصرف من كتاب اليوميات الليبية 1551-1832 ، لحسن الفقيه حسن ، تحقيق محمد الأسطى وعمار جحيدر ، مطبوعات مركز الجهاد للدراسات التاريخية ، 1984 . الأرقام المحاذية للفقرات هي أرقام المدونات كما صنفها محررا الكتاب.

[vi] من طرابلس الى فزان : مذكرات الرحالة الانجليزي جون فرانسيس ليون، ترجمة مصطفى جودة، الدار العربية للكتاب، 1976.

[vii] ترحال في الصحراء، بقلم جيمس ريتشارسون، ترجمة د. الهادي بولقمة، منشورات جامعة قاريونس، 1993.

[viii] انظر فصل تطور مرزق التاريخي، للدكتور الهادي بولقمة ، من كتاب ’مرزق: التحضر والقاعدة الاقتصادية‘ ، تحرير د. منصور البابور، منشورات جامعة قاريونس، 1995.

[ix] ص 188-189 من كتاب ثائق تاريخ ليبيا الحديث: الوثائق العثمانية 1881 – 1911 ، ترجمة عبد السلام أدهم و مراجعة د أحمد صدقي الدجاني ، منشورات جامعة بنغازي ، 1974.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الأحد 02 أكتوبر 2011, 23:29


الأيام الطرابلسية (الحلقة الرابعة): أيام القرمللي


الأيام الطرابلسية (الحلقة الرابعة): أيام القرمللي

16/02/2008


د. محمد محمد المفتي


كان جد القرملليين[i] بحارًا ، من مواليد قرمان بالأناضول، وقدِم الى طرابلس فى زمن ولاية درغوت. وانتهى به الأمر إلى الاستقرار في طرابلس وامتلاك بستان أو سانية فى ضاحية المنشية (حيث الكورنيش الممتد اليوم من طرابلس إلى مشارف تاجوارء) .. وتزوج بعربية … واستمر أحفاده فى مصاهرة العرب .. ومع الزمن لم يعد لهم من الصبغة التركية سوى الإسم فقط ، حتى أنهم أصبحوا يجهلون اللغة التركية … وهو ما جعل الناس تنظر إليهم على أنهم ليبيون.

لم يكن ذلك تطورًا شاذا ، ففي تلك الحقبة كانت قد استقرت وتبلورت شريحة جديدة في المجتمع الليبي .. الكراغلة .. سلالة التزاوج بين الليبيين والأتراك .. زواج ليبيات من ضباط وجنود وموظفين في الدولة العثمانية .. مسلمين من تركيا وألبانيا والبوسنة والشيشان والشركس ووسط آسيا الذين استقروا أو ربما انقطع بهم سبيل العودة. سلالاتهم المبعثرة في المدن والقرى الليبية ، تعربوا حتى أنهم تشكلوا في قبائل شأنهم شأن بقية الليبيين رغم افتقادهم لصلة الدم. ولسبب ما امتهن الكثير منهم التجارة .. فتوطدت علاقاتهم ، يتراسلون ويتبادلون السلع والصفقات .. بين المدن والقرى ، وشكلوا جسورا ساهمت في توحيد المجتمع الليبي.

ووصل أحمد (الحفيد) الى منصب باش آغا لفرسان الساحل والمنشية. وفى صيف 1711 ، إثر فترة من عدم الاستقرار زحف بقوات من أهالى الريف الغربى وغريان على طرابلس ليستولى على السلطة و يدشن عصر الأسرة القرملية. والملاحظ أن أحمد القرمللي لم يقم بانقلاب من داخل القصر كعادة ذلك الزمن ، وإنما زحف على طرابلس بقوات من خارجها. كما أنه بمجرد استيلائه على السلطة، قام بتصفية الضباط الأتراك فى مذبحة بمنزله وطرد من تبقى.

قام أحمد باشا بالطبع، باسترضاء الاستانة بالهدايا، وفى نفس الوقت وكعادة حكام زمانه، لم يكن أكثر اهتماما بالبلاد من الأتراك وسرعان ما بدأ فى ارسال حملات الى الدواخل لجمع الضرائب، لدعم الميزانية ودفع المرتبات.

ومن مآثر أحمد باشا على طرابلس .. بناؤه مسجده بسوق المشير ، أجمل مساجد طرابلس. والذي ألحق به معهدًا .. وقسما داخليا لإقامة طلبة الدواخل القادمين لدراسة اللغة والشريعة. وقد ظل المعهد لثلاثة قرون تقريبا منارة أساسية للحفاظ على هوية طرابلس العربية الإسلامية.




طــاعون طرابلس سـنة 1785


في صيف[ii] 1784 ، في زمن علي باشا القرمللي ، كانت طرابلس .. تعاني من قحط ومجاعة .. وكثرت الوفيات ، وارتفعت أسعار الحاجيات. في تلك الفترة اندلع الطاعون في تونس. وتزايد قلق الناس. وفعلا داهم الوباء طرابلس في الربيع التالي (أبريل 1785 ) ، وكان انتشاره عن طريق بضع أشخاص مصابين قدموا من تونس.

حتى ذلك الزمن لم تكن هناك علاجات فعالة للطاعون ولا حتى الوقاية منه. الإجراء المتفق عليه آنذاك كان عزل المرضى والحجر الصحي ، ومنع ركاب السفن القادمة من المناطق الموبوءة من النزول إلى الشاطئ. لكن الطاعون كان ينتقل عن طريق قمل الجرذان .. والجرذان قادرة على الوصول إلى الشاطئ على حبال الرسو. ولم يكن الناس يلتفتون للجرذان !! كان انتقال الطاعون أمرا محيرًا. ولم يكن لدى الليبيين سوى كتابة التمائم والتوسل بالمرابطين.

وتصف المس توللي في رسالتها يوم 29 أبريل 1785 : ’’ .. قبيل منتصف الليلة البارحة، سارت زوجة البك، اللا عيشـة، مع الأميرات الثلاث زكية وعويشة وفاطمة، على ضوء المشاعل الى المسجد للصلاة عند ضريح ولىّ كبير .. وكان يحيط بهن جمع من الوصيفات والجوارى السود، ورافقهن الطواشية وحرس الباشا الخاص‘‘.

ولكن أسرة السفير الإنجليزي نفسها لم تكن أحسن حالا في إجراءات الوقاية ، فكانوا يجرون طقوسا تشدد على النظافة وعدم الملامسة ، لكنها في الواقع أقرب للسحر ولا أساس علمي لها ، لأن لا أحد كان يعرف سبب الطاعون أو طريقة انتقاله. فنجد المس توللي في إحدى رسائلها تقول : ’’ .. لقد أعددنا كثيرا من الجرار لنستعملها فى تطهير الدار. ونحن نملأ ثلثى الجرة بالنخالة ثم نعبئ باقيها بثلاثة أنصبة متساوية من الكافور والمرّ وعود الندّ. ونقوم بحرق هذا العطر مع كمية قليلة من كحل البارود فى الغرف كل يوم. وقد تم إخلاء جميع منازل المسـيحيين من الطيور والحيوانات المنزلية، خشية أن يكون فراءها أو ريشها واسطة لنقل عدوى الوباء. ... و ديار الأوروبيين هنا .. لا تفتح بوابتها الرئيسية إلا بإذن رب الدار وفى حضوره. لإستلام الحاجيات المجلوبة من السوق. وعند الباب يجد الخادم، وعاء مملوء بالخل لاستقبال اللحم ، وآخر فيه ماء لاستقبال الخضروات ... ليس هناك ملايات كتانية ولا حرير ولا سجاجيد فى غرفة الجلوس الآن، إنها خالية من كل أثاث عدا الطاولات والكراسى ذات المقاعد الغطاة بالحصير .. والزائر فى بيتنا يخدم نفسه، ولا يسمح للخدم أن يقدموا له أى شئ حتى كرسيا يجلس عليه. ونحن نفعل ذلك لنمنع الخدم من الاقتراب من الزائر، أو أن يمسـّوا أى شئ لمسه الزائر .. إلا بعد عدة ساعات من مغادرته الدار ‘‘.

لكن الطاعون المرعب لا يرحم ، كما تسجل لنا الكاتبة في رسالتها (28 /6 / 1785) ’’ ... لقد أخرجت أكثر من 200 جثة من بوابة المدينة هذا اليوم ، هذا مع العلم أن مجموع سكانها لا يتجاوز 14 ألف .. [ كما ] ارتفعت نفقات دفن الموتى ... وصارت العائلة تحمل ميتها الى الباب ، وتعطى الجثة لأى رجل يقبل أن يلقيها على كتفه أو يحملها بين يديه، وينقلها الى المقبرة. كما هرب الطبيب الجنوى في بلاط الباشا وجميع القناصل ..‘‘.

وبعد شهرين من اندلاع الطاعون ، في بداية يوليو ، كان الطاعون قد أودى بحياة ثلاثة آلاف شخص ، أو ربع سكان المدينة. وكان العويل والنديب هو الصوت المهيمن على طرابلس القديمة. بل كثرت الوفيات حتى لم تعد تقام صلاة الجنازة على أصحابها، وإنما تجمع التوابيت ويتم اخراجها من بوابة المدينة قبيل الزوال من كل يوم. أو كما سجلت المس توللي : ’’ بات المرء يشهد خمس أو ست جثث وقد حملت معا على حمار، الى الجبانة. وقد أمر الكولوغـلـيــة ( الجنود) بالسير فى الشوارع ليزيلوا الجثث التى يجدونها منطرحة على قارعة الطريق. كما أن جميع كبار موظــفى الدولة قد هلكوا ، وفقد البيك ولديه الجميلين ‘‘.

ولم يتراجع شبح الوباء إلا بعد عام ، في الصيف التالي. وكانت نتائجه مرعبة. فالمدينة شبه مقفرة من السكان .. وكثير من المنازل خاوية .. والشوارع لا أحد فيها. وتكاثر عدد الأطفال الأيتام. أما القرى فبدت مهجورة ، وكثير من بيوتها موصدة الأبواب بسبب الطاعون .. أقرب إلى المقابر لأن أهلها ماتوا بداخلها وتحللت جثثهم في أفنيتهـا.

ويسجل نائب القنصل الفرنسى، فى تقرير له فى صيف 1786، حالة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي:

’’ لم يعد باشا طرابلس يسوس اليوم سوى رعايا متمردين ، وفيافى مجــدبة ، وخرائب مهدمـة. وحتى المدينة .. عاصمته .. لم تعد سوى أكوام من الأنقاض .. ولم يعد لبوابات المدينة جدوى ، كما تداعت الأبراج والأسوار. لقد أدى توالى سبع أو ثمان من السنين العجاف الى ارتفاع معدل الوفيات، والى هجرة الناس من البلاد. ثم أكمل الطاعون حالة الدمار.. وليست طرابلس الآن سوى صحراء موحشة، وكل شئ ماض فى الذبول والإضمحــلال بعد أن كانت ميناء مزدهرا يصدّر القمح والشعير والزيت ..‘‘.

بينما يلاحظ رحالة إسباني أن الطاعون أنقص سكان المدينة ، وقضى على أسر بكاملها .. حتى أن المرء ما زال يري في بداية القرن 19 ، منازل مهجورة ومنهارة بسبب الوباء.



عـهد يوسف باشا


بلغ العهد القرمللى ذروة قوته وهيبته فى زمن يوسف باشا القرمللى الذي امتد حكمه من سنة 1795 إلى 1832. وقد طوّر يوسف باشا في بداية عهده قوة طرابلس البحرية وساند ما عرف بالحروب الجهادية ضد السفن الحربية والتجارية الأوروبية ، وهو ما رأته أوروبا نوعا من القرصنة .. لكن القرصنة كانت سمة العصر تمارسها كل الدول في كل البحار. بيد أن يوسف باشا لم يكن واعيا لروح العصر خاصة على صعيد التـقـدم الصناعي الذي كانت تشهده أوروبا ، ولذلك لم يلتفت لتطوير التعليم أو خلق صناعات محلية ، كما حاول معاصره محمد على باشا في مصر القريبة.

ويوسف باشا صعد إلى كرسي السلطة بعد قتل أخيه في دار أمه التي دعتهما لكي تصالح بينهما ، وبذلك زرع الرعب في من حوله .. فقد عرف الجميع مدى استعداده لسفك الدم من أجل الاحتفاظ بعرشه.

ويصفه الرحالة الإسباني لبليك (الذي عرف باسم علي) الذي قابله سنة 1805 ، بأنه رجل وسيم ، لا يخلو من روح الدعابة. ويجيد التحدث بالإيطالية ، ويحب الأبهة والسلطة والجود ، ويتصرف بلطف ومجاملة .. ويهوى الترف في أثاثه وزوجاته[iii].

وفي تلك الفترة ، كما لاحظ هذا الرحالة ، اتسمت حياة الناس في طرابلس بالانطلاق والانفتاح على حضارة أوروبا .. وشاع فيها التسامح مع الأجانب .. فإنك تجد التاجر الفرنسي ، وصانع المراكب الإسباني والطبيب المالطي والساعاتي السويسري .. وأجراس الكنيسة تقرع كل يوم.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الأحد 02 أكتوبر 2011, 23:31



مصرع رحــالة .. والتدخل الأجنبي


في صبف 1825 ، وصل إلى طرابلس رحالة شاب اسكوتلندي ، وعسكري سابق يدعى الميجور آلكسندر لاينج ، موفدا من وزارة المستعمرات البريطانية للقيام برحلة من طرابلس عبر الصحراء ، بقصد الوصول إلى مدينة تمكتور عاصمة تجارة الذهب في العصور الوسطى، والتي تقع ضمن حدود مالي الحالية. ونزل لاينج في ضيافة القنصل الإنجليزي هانمر وارنجتون ، الذي عمل في هذا المنصب أكثر من ثلاثة عقود ، وكان يقال أن بقاءه في طرابلس تلك المدة عاد إلى كونه إبنا غير شرعي لإحدى الأميرات الإنجليزيات.


وبدوره تعاون يوسف باشا بتزويد الرحالة برسائل توصية إلى تجار غدامس لما لهم من خبرة ونفوذ في تمبكتو ، حيث كان بها حي يعرف بحي الغدامسية. لكن الجميع بمن فيهم الباشا حذروا الرحالة الشاب من مخاطر الطريق، لكنه كان مصرّا وواثقا أملا في الشهرة، والفوز بجائزة كانت مرصودة لأول من يصل إلى تلك المدينة الغامضة.

هناك أيضا بعد رومانسي لقصة لآينج. فالضابط الوسيم وقع في غرام إبنة القنصل إمـّا ، وتزوجها قبل بدء رحلته المنكوبة.

وسافر الرحالة الشاب ، وكان يبعث برسائله ويومياته من كل مكان يصل إليه. ووصل فعلا إلى تمبكتو ، التي وجدها مدينة بائسة من أكواخ طينية ، يقطنها قرابة عشرة آلاف نسمة ، أو عشر تعداد سكانها في حقبة ازدهارها القديمة أيام كانت مركزا لتجارة الذهب في العالم.

المأساة أن لاينج قتل في ظروف غامضة ، ربما على أيدي قطاع طرق ، في ظروف غامضة. ووصل الخبر إلى طرابلس. وفقد القنصل الإنجليزي توازنه ، وشن حملة شعواء من التهم بالتقصير ، والتهديدات. ونالت الاتهامات يوسف باشا وأعوانه ومنهم حسونة الدغيس الذي عمل لفترة وزيرا للخارجية ، وسفيرا في لندن وباريس ، فضلا عن كونه صهر البيْ علي إبن يوسف باشا. وانتهي الأمر بالدغيس إلى الهروب واللجوء إلى فرنسا.

لكن تطاول وارنجتون وجرأته ، لم يكن لمجرد حرقته على صهره المغدور، بل كانت مؤشرا ونتيجة لضعف نظام يوسف باشا. فقد كانت بريطانيا بفضل نهضتها الصناعية قد نجحت في السيطرة على تجارة المحيطات. وكانت فرنسا أيضا في مرحلة تقدم. وسعى كل منهما لتأمين وحماية أساطيلها التجارية. بالمقابل تحولت طرق التجارة بعيدا عن البحر المتوسط. فتوابل وقطن الهند وحرير الصين ، أمست تأتي على سفن تدور حول رأس الرجاء الصالح ، بينما كانت تجارة أفريقيا من عاج ورقيق تنفذ إلى شواطئ ساحل أفريقيا الغربي. كما كانت سفن الولايات المتحدة الدولة الجديدة الفتية آنذاك، موجودة بالبحر المتوسط منذ مواجهات 1904 التي قادت إلى أسر السفينة فيلادلفيا. باختصار ، كان وضع يوسف باشا مهزوزا وضعيفا أصلا. وفي هذا السياق توالى التهديد والابتزاز الإنجليزي والفرنسي.



التـهــديد بالأساطيل


في 9/8/1830 مثلا ، حاصرت سفن البحرية الفرنسية ميناء طرابلس وأنذر قائدها يوسف باشا بالتخلي عن مساندة أعمال القرصنة ، وتسديد ديون الرعايا الفرنسيين ، ودفع تكاليف الحملة.

وتولى محمد الشيلابي بيت المال مفاوضة الفرنسيين وبدأ يوسف باشا في جمع الأموال من الأهالي ، كما تخبرنا يوميات حسن الفقيه حسن بصراحة وبساطة[1]:

· ’’ يوم الاثنين .. قدموا علينا شقوف الفرنسيس بعد الظهر , وقدرهم : جفن و جوز فرقاطينات و جوز قرابـط و بريك و سكونة , جملة عدد 7 , وركب لهم القنصل في فلوكه , و كذلك ركب الحاج معتوق الجبياني في فلوكه , من حين وصلوا برج المندريك وجدوا فلوكتهم جاية من الشقوف رجعوا معها الى الصقالة. و نزلوا جوز نصارى من المراكب الى حوش القنصل السبنيور , وبعده توجهوا الى الحصار[iv] معاهم القنصل ووجدوا سيدنا – دام عزه – و فرح بهم .. وأعطوه جواب وروحوا. و حين ظهروا من الحصار ضربوا عليهم عدد 7 مدافع , و لن ردوهم من الشقوف متاعهم و السلام ‘‘ (مدونة 128).

· ’’أيضا يوم الثلاث ... ركب محبنا الحاج محمد بيت المال و سي محمد بن زين الدين و سيدي الرايس خليل عيواز و الشاوش محمد الربع والشاوش محمد خبول في الغليوطة الكبيرة , و معاهم الحاج معتوق و الحاج حسن البيدي و بَحْرية وغيره , من صقالة الخندق الى مراكب الفرنساوي ... ويبغوا يتكلموا مع الكوماندنت بجميع الأمور على التفصيل،لأن الجواب الذي جابه ليلة الثلاث فيه شروط كثيرة ... و ربنا يصلح الأحوال بجاه النبي المختار‘‘ (مدونة 1131).

· ’’ يوم الخميس ... حضر سيدي الحاج أحمد محسن شيخ البلاد ... و جملة جماعة البلاد الخاص منهم و العام وجملة رياس البحر , الجميع حضروا بقهوة شيخ البلاد ... وقرأوا الشروط التي شرطها الراي [الملك] الفرنساوي على محروسة طرابلس غرب و نواحيها .... و روّح كل أحد إلى مكانه ‘‘ (مدونة رقم 1139).

· ’’ يوم الاثنين ... عند المغرب . سافروا شقوف الفرنساوي كلهم , و أما القربيطة باقية ؛ لأنه قدم علينا رقاص من تونس و جاب لهم جواب , و لن عرفنا آش‘‘ (مدونة 1148).

· ’’ أيضا يوم الخميس .... خرجت تذكرة بها أسماء ناس .. إلى سيدي الشيخ الحاج احمد بن لطيف شيخ البلاد في التاريخ : أولهم سيدي الشيخ القاضي و الشيخ النايب و سي محمد الدغيس و الحاج مصطفى بن موسى و كاتبه و الرايس عمر الشلي و الرايس محمد قره باش و الحاج احمد السنفاز و رمضان ميزران و محمد الداقيز وعلي الباش و محمد المرابط – الجميع حضروا بقهوة الشيخ و توجه بهم إلى الحصار, و قابلوا سيدنا – دام عزه – بالغرفة الكبيرة. و تكلم معاهم سيدنا من جانب دراهم النصارى الانقليز و ذكر لهم : بأنه يبغي منهم دراهم سلفة قدرها اثنا عشر ألف ريال و يعطيهم فيهم تساكر بطرفه . آل الأمر بينهم إلى أن ذكر له الشيخ : خليهم يخرجوا في الغرفة الأخرى و يعقدوا الرأي. خرجنا بره و طلبوا من سيدنا الفضل إلى أن جعل أربعة آلاف دورو . و خرجنا من لحصار إلى غرفة الشيخ من قبل العصر إلى المغرب , و بعده رجعنا بعد المغرب نحن و الجماعة الى سبع ساعات و نصف وفضوا القضية بموجب عدد 96 نفر , عملوا علينا إحنا و بن موسى و الدغيس 200 – مائتين دورو , وباقية مائة , و واحد خمسة و سبعين , إلى ستون . آخرهم عشرون دورو – و ربنا يعوض علينا و على جميع المسلمين بجاه مكة و البقيع – و السلام‘‘( مدونة رقم 1579).

· ’’ يوم الخميس نادى سيدنا شيخ اليهود و جماعته , و جعل عليهم ألفـين ريال دورو , وهم يفرقوها على جملة اليهود‘‘ (مدونة رقم 1580).

· ’’ يوم السبت ... قدموا علينا جوز مراكب من القورنة وأخبرونا بأن الجزاير صحيح خذاها الفرنسيس ... والباشا متاعها ظهر منها و رفع معاه من ناسه و أحبابه و حريمه و غيره جملة أنفار عدد 49 , و مشى إلى بورت ماهون , و بعده توجه إلى نابل [نابولي]‘‘ (مدونة 1162].

· ’’ يوم الأحد ... وقع فيه التنبيه و ا لبريح [ النداء العام] من سيدنا – دام عزه – في الأسواق : على إنه بعد المغرب بساعتين جميع الذي يلقوه اللواجه [الحرس] يربطوه و يأدبوه على قدر عيبه , ولن يخرج أحد‘‘ .

· ’’ يوم الاثنين ... أرسل سيدنا – دام عزه – إلى مشايخ البلاد – طرابلس غرب – و نبه عليهم بأنهم يجعلوا عسّه في الأبراج : برج الكيخيا والبرج الأحمر , كل ليلة شارع , و مبتدى العسّة ليلة الثلاث و السلام‘‘ (مدونة 1169) .

· ’’ ليلة السبت ... توجه محبنا الرايس عمر الشلي و محبنا فرج القبطان في السكونة متاع القبطان مراد رايس الى لندرة ، وذلك أرسلهم سيدنا – دام عزه – ربنا يسهل علينا و عليهم‘‘ (مدونة 1170).

الإشارات خطيرة ، مثل إحتلال فرنسا للجزائر ، ووقع التهديدات الأوروبية مثير للفزع من جهة والانصياع بفرض الأتاوات على الناس ، مما سيقود إلى تفاقم الأمور.


ثورة عبد الجليل سيف النصر


جاءت الضربة القاصمة لسلطة يوسف باشا ، حين فقد هيمنته على فزان في منتصف 1831 ، بدخول عبد الجليل سيف النصر بني وليد حيث بايعه مشائخ ورفلة وقذاذفة سرت ومقارحة الشاطي. وكانت فزان تدر على طرابلس ضرائب وفيرة ، وأرباح من التجارة مع السودان (السودان وتشاد والنيجر) وخاصة تجارة الرقيق.

لم تكن ثورة عبدالجليل أول تمرد يواجهه يوسف باشا فقد سبقته ثورات وصدامات في غريان (1802) ودرنة (1804) وبنغازي (1805) وغدامس (1810) وترهونة (1820). لكن حركة عبد الجليل كانت ضد باشا واهن على رأس إيالة متدهورة الاقتصاد. فوق ذلك فقد هددت ثورة سيف النصر مصالح أعيان طرابلس بقطع خط التجارة مع السودان ، فالتفوا حول يوسف باشا في البداية وأيدوا قراره بإرسال حملة بقيادة إبنه علي باي لإخماد المتمردين. وفعلا خاضت الحملة معارك ضارية ضد قـوات سيف النصر ، قرب بن وليد ، انتهت إلى قبول الأخير ظاهريا لهدنة وشروط اقترحها مشائخ قبيلة أولاد بوسيف. لكن نتائج الصدام كانت بشعة كما نرى في رسالة بعث بها يوسف باشا في ديسمبر 1831، إلى وزيره الشيلابي بيت المال الذي كان في بنغازي.

’’ ومات منهم مايتين واطناشر رقبة ، وثلاثماية مجاريح .. وشرعوا العساكر في تقطيع الأشجار وتهديم الديار .. ولا قعدت زيتونة ولا نخلة ولا حوش قايم .. وبقوا يشفعوا [أخذوا يتوسلوا] .. فقدموا علينا المرابطين أولاد بوسيف .. وأولاد مريم وزوي غريان وطاحوا علينا وطلبوا منا العفو والصفح .. وحقن دماء المسلمين .. فاستجبنا وعفونا ، بعد أن التزم عبد الجليل .. و .. ‘‘[v].

لكن الأمور لم تستتب ، كما نفهم من رسالة أخرى بعث بها يوسف باشا إلى الشيلابي بعد شهرين ، يعلن فيها قراره بتجهيز حملة من كراغلة الساحل الشرقي لاستعادة فزان ، بقيادة محمد المكني. وبالمقابل حاول سيف النصر توسيط القنصل الإنجليزي واللا زهرة زوجة يوسف باشا الأثيرة.

لكن قائد الحملة الأولي علي باي إبن يوسف ، أقدم على إجراءات رعناء ـ بعد إبرام الصلح مع سيف النصرـ كان لها أسوأ الأثر .. فقد قام بمعاقبة "كراغلة الساحل والمنشية " المجندين في حملته لشكه في صدق عزيمتهم وإلحاحهم على الرغبة في العودة إلى مواطنهم ، وكان كراغلة الزاوية أول من ترك معسكر على باي. وإثر عودة القوات إلى طرابلس شكوا ليوسف باشا من سوء معاملة إبنه ولكن الباشا لم يطمئنهم ، فكان تذمرهم بداية ثورتهم عليه.

استغل القنصل البريطاني تلك الأزمة ، ليصر على أن يدفع يوسف باشا ما عليه من ديون للتجار الإنجليز. وأمام التهديد اضطر يوسف باشا لفرض ضرائب على سكان مدن الإيالة وكانوا كما يقول أحمد النايب ’’ في حالة من الفاقة ، من جور العمال ونقصان الفلاحة ، وفلوس النحاس وقلة سكة الفضة‘‘. واستدعى القنصل مدمرتين من مالطا لتهديد حكومة طرابلس، ولما فشل طوى علم بلاده وقطع العلاقات مع الباشا. ثم إن كراغلة الساحل والمنشية رفضوا دفع الضرائب الجديدة. وفي اجتماع عقده زعمائهم بجوار ضريح سيدي الصيد (يوم الجمعة 28/7/1832) قرروا المطالبة بخلع يوسف باشا ومبايعة حفيده محمد باي. وتعاظمت قوات الكراغلة بقيادة محمد الرحـّال ومحمد النظيف ، التي تمركزت بشارع الزاوية.

وقرر يوسف باشا مهاجمة الثوار في مرتفع الظهرة ، لكن قوات الحكومة تراجعت إلى سوق الثلاث .. ثم انسحبت وراء أسوار المدينة. ثم انتقلت المعارك إلى سور المدينة.

وهكذا ضعف موقف يوسف باشا مما أرغمه على التنازل لإبنه علي باي كحلّ وسط. وفي يوم الإثنين 13/8/1832 ، استدعي إلى السراي جميع الأعيان والمشايخ وكبار الموظفين. ودخلوا إحدى القاعات ، حيث كان يجلس يوسف باشا يحيط به بنوه وأقاربه وقد وضعت أمامه الربعة [جزء من المصحف] وكتب البخاري وبوجمرة. ثم نطق يوسف باشا بصوت بالغ التأثر:

’’ كلـّمتكم اليوم بيش نقول لكم إني تعبان ، ونريد نتريح. واليوم نعيّن إبني على باي ليخلفني في إمارة الولاية .. والسلام‘‘

وما أن انتهى يوسف باشا من كلامه حتى اجهش بالبكاء. وتأثر الجميع. ثم أقسم وتلاه الحاضرون على كتاب بوجمرة يمين الطاعة والإخلاص للباشا الجديد[vi].

لكن علي باشا لم يستطع السيطرة على الموقف ولا كسب ثقة الكراغلة في الداخل ولا ثقة البلاط العثماني ولا الدول الأجنبية. ودارت اتصالات بين موفد من الحكومة العثمانية وقادة الكراغلة ، لم تنتج حلا سلميا.

وفي مارس 1835 ، أرسلت الحكومة العثمانية قوة كبيرة من 22 بارجة و6 آلاف جندي. وحمل قائد الحملة مصطفى نجيب معه فرمانا يعينه واليا على طرابلس. بينما نفي علي باشا المعزول إلى الآستانة. أما الشيخ العاجز يوسف باشا فقد ترك في طرابلس ليقيم في منزل إحدى زوجاته.

وهكذا كانت نهاية العهد القرمللي ، نتيجة لصراعات داخلية وعجز دولة طرابلس عن تسديد ديونها الخارجية. وفي النهاية نتيجة عجز يوسف باشا عن فهم التحولات الدولية ومنها الحروب النابوليونية التي غيرت التوازنات في أوروبا ، والثورة الصناعية ، وما ترتب عليهما من كبح القرصنة في مياه البحر المتوسط وإلغاء تجارة الرق. لقد أذن التقدم الأوروبي والثورة الصناعية بإفلاس نظام يوسف باشا ، الذي لم يستطع فهم ما يجري على القارة الأوروبية .. ولم يتمكن بالتالي من استثمار علاقاته مع دول بادلته السفارات مثل البندقية وبريطانيا وفرنسا ، لتطوير ولايته وضمان استقرارها.

________


* للوصول إلى كافة الحلقات ومقالات وكتب اخرى للدكتور محمد المفتي اضغط هنـــــــــــــــــــــا

[1] كتاب اليوميات الليبية 1551-1832 ، لحسن الفقي حسن ، تحقيق محمد الأسطى وعمار جحيدر ، مطبوعات مركز الجهاد للدراسات التاريخية ، 1984 الأرقام بين قوسين مربعين هي أرقام المدونات.

_________

[i] إسم الأسرة في الأصل كان القره مانلي نسبة إلى قره مان ، والصفة تركية مثل إسم كرامانليس رئيس الوزراء اليوناني الأسبق، لكن الإسم تم تلييبه مع الزمن بحذف الهاء والنون إلى قرملّي والتي تكتب أحيانا قرمللي.

[ii] رسائل المس تـــولـلي شقيقة القنصل الإنجليزي فى طرابلس ، في كتاب عشر سنوات في بلاط طرابلس الغرب، وكذلك كتاب الحوليات الليبية ، تأليف شارل فيرو ، ترجـمـة وتـحـقـيـق الدكتـور مـحـمـد عبـد الكـريـم الوافى، دار الفـرجـانى، الجزء الثانى، ص 375 و 488-489.

[iii] ص 143-144 من كتاب حكاية مدينة للأستاذ خليفة التليسي ، الدار العربية للكتاب ، 1974.

[iv] المقصود بالحصار هو القلعة أو السراي، مقر إقامة الباشا.

[v] ص 56-57 ، من كتاب وثائق .. لاسماعيل كمالي.

[vi] ص 89-91 ، من كتاب وثائق عن نهاية العهد القرمانلي ، اسماعيل كمالي ، ترجمة محمد مصطفى بزامة ، دار لبنان ، 1965.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الأحد 02 أكتوبر 2011, 23:32


الأيام الطرابلسية (الحلقة الخامسة): أيام العصمللي

د. محمد محمد المفتي


تدشين العهد العثماني الثاني في ليبيا ، لم يكن نقلة نوعية في طبيعة الحكم. فالروابط الاقتصادية والثقافية بين ليبيا والدولة العثمانية لم تنقطع طوال العهد القرمللي. ثم إن الدولة العثمانية دولة مسلمة ، وكثير من الليبيين مثل الكراغلة وغيرهم ، من ذوي جذور تركية. لكن وجود والي تركي لا يتحدث العربية ، تسنده كتائب من الجند الذين لا يجيد معظمهم العربية ، كل ذلك خلق حاجزا نفسيا .. إنهار بسرعة عند الغزو الإيطالي سنة 1911 ، حين وقف الليبيون والعسكر الأتراك صفا واحدا متلاحما في مواجهة الغزاة النصارى.

تسرب التقدم

وبينما انشغل الولاة والموظفون بقمع الناس وتحصيل الضرائب بالأساليب القديمة ، كان العالم يشهد تغيرات عميقة ، اخترقت تلك العقليات التقليدية. فاختراع الديناميت ، جعل أسوار المدينة القديمة تفقد مناعتها ، وقفل أبوابها في الليل لم يعد له معنى. وبالفعل توقف إغلاق البوابات. ووصل التلغراف إلى إقليم طرابلس ، كما نشطت الحركة التجارية ، ووصل وكلاء الشركات الأوروبية بمصنوعاتهم من الحديد إلى القماش والخيوط والأزرار.

وفي سنة 1864 ، لاحظ الرحالة نشاط تجارة طرابلس مع السودان .. أو أقطار جنوبي الصحراء .. فأنت تجد في دكاكين المدينة منتوجات تومبكتو وبورنو من ريش النعام وغيره .. فضلا عن المصنوعات المحلية من بسط ومصنوعات جلدية. ومن طرابلس يجري تصدير الصوف والتوابل والجلود والفواكه المجففة والتمور. لكن البلاد تستورد القمح منذ أعوام بالنظر للجفاف منذ سنين. ولهذا فإنك تشاهد مظاهر الفقر ، وأناسا كثيرين ينامون نصف عراة نصف أموات في الطرقات[1].

وقبيل الغزو الإيطالي كان في طرابلس قرابة 1500 نول لنسج القطن ، و270 نول لنسج الصوف و100 نول لنسج الحرير. لكن ازدهار صناعة النسيج ، التي حظيت بمناعة خاصة ضد السلع المنتجة في أوروبا ، نتيجة تفردها في إنتاج سلعة لا يطلبها أحد خارج ليبيا (ألا وهي الحولي أو الجرد والعـــباة الليبية والرّداء النسائي) ، كل ذلك لم يحْـمِ النساجين من عشوائية قرارات السلطة.





كانت الأسواق نوعين ، مسقوفة داخل المدينة مثل سوق الترك واللفة. وأسواق عامة تقام يوميا في العراء لبيع مختلف المنتجات. وكانت سوق الثلاثاء الأسبوعية الكبرى تقام في منطقة الكورنيش حيث أيضا ميناء أو سقالة الحلفا .. و إليها يأتي أناس كثيرون من جميع الجهات والمناطق القريبة يحملون شتى المنتوجات. كانت سوقا عاما لكل السلع ، فيها يتجمع الآلاف ، وتقام عشرات السرادقات .. تأتيه القوافل من مصراته ومسلاتة وغريان وفزان وغيرها .. يضربون خيامهم .. ويتبايعون. وكان الحرس البلدي يفتشون البضائع ، ويزنون الخبز ويتأكدون من وجود الختم على اللحوم .. ويصادر كل ما هو مخالف وينقل إلى ملجأ الأيتام والفقراء.



الحَــلـْـــفَـا


شهدت طرابلس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إزدهار تجارة محصول جديد ذي قيمة تصديرية ، ألا وهو نبات الحلفا الذي بدأ تصديره سنة 1862 ، إلى بريطانيا بالدرجة الأولى بعد اكتشاف قيمته في انتاج الورق الممتاز وخاصة في صناعة الأوراق النقدية. والحلفا من النباتات البرية العشبية الدائمة الاخضرار ، أشبه ما يكون بالديس. ويتألف النبات من سيقان وأوراق خيطية ، ويبلغ طول الساق حوالي 60 سم.

وكانت الحلفا تستخدم محليا لصناعة الحبال والشباك والحصران والسلال ، كما كان يستخدم كعلفة جيدة للأبقار والإبل والخيل.

وخلال النصف الثاني من القرن 19 ، ازداد الطلب على الحلفا ، خاصة في السوق البريطانية. وأفاد ذلك الأهالي الذين كانوا يجمعونه ، ويربطونه في حزم أو يعبئونه في شباك ، تحمل على ظهور الإبل إلى طرابلس والخمس وزليتن ومصراته ، حيث يعرض في أسواق كانت تعج بالباعة والسماسرة ووكلاء الشركات التجارية. وكان النبات يصنف حسب الجودة. وأقامت الشركات مخازن ومعامل لكبس الحلفا.

كان جامعوا الحلفا يبيعونها بحوالي 12 قرشا للقنطار الواحد. وفي ذروة ازدهار تجارة الحلفا ، شكلت قيمة الحلفا المصدرة حوالي 60% من قيمة الصادرات الإجمالية من إقليم طرابلس الذي كان يصدر حوالي خمسين ألف طن سنويا ، بقيمة 200 ألف جنيه استرليني. لكن صادرات الحلفا تضاءلت تدريجيا مع نهاية القرن. وبالطبع فقد حصلت الخزينة العامة لولاية طرابلس على إيرادات هامة من تصدير الحلفا ، على هيئة رسوم أسواق وضريبة جمركية[2].

نموّ المديـنــة

وجاء الناس إلى طرابلس من الدواخل. كما وفدت إليها عند منتصف القرن جاليات من الجزائر إثر الاحتلال الفرنسي ، وأسر تجارية من جربة بعد أن ضاق بهم الحال هناك. وهكذا اضطر الناس إلى التوسع السكني خارج الأسوار ، في المنشية. ونستطيع أن نتصور النمو الديموغرافي للمدينة إذا علمنا أن سكان مدينة طرابلس كان 13 ألف نسمة سنة 1846 ، ليصل 53 ألف سنة 1909. ( ومن التعداد الأخير ، شكل الليبيون 35 ألف ، واليهود 12 ألف ، والمالطيون 3000 والطليان 1000 شخص). ومن هؤلاء كان 15 ألف نسمة يسكنون بالمنشية.

ويبدو أن المنطقة حيث الساحة الخضراء الآن كان سبخة ، وقد تتحول إلى شبه بحيرة إذا سال الوادي (مع شارع الوادي). وعندما بدأت المدينة في الاتساع تمددت على محاور أصابع اليد كما وصفها لي المثقف المخضرم والفنان فؤاد الكعبازي. وهكذا إذا تخيلنا الميدان هو راحة اليد ، سنرى شارع عمر المختار على محور الإبهام ، بينما الشوارع الأربعة (الوادي وميزران والاستقلال والبلدية) تناظر الأصابع.

وفي أواخر العهد العثماني الثاني ، وقبيل الغزو الإيطالي بدأت طرابلس الحديثة. فامتدت المنطقة السكنية باستقرار الميسورين من تجار وموظفين وضباط خارج سور المدينة القديمة[3]. وهناك أسست مدرسة الفنون والصنائع (سنة 1898) وأنشئ مستشفى عسكري ، وكثرت المقاهي والمخازن ، وظهرت مكابس الحلفا ومطحنة إيطالية ومصنع للثلج[4]. وانتشر البناء بشوارع ميزران وامتداده شارع الزاوية ، وكذلك شارع البلدية والعزيزية (الاستقلال / المقريف) حيث كان سوق الزنادات وشارع السيدي. وظهرت فنادق بالشارع الغربي (عمر المختار الآن) وشارع الوادي.

وتأسست أحياء مثل بالخير وميزران. واتصلت تلك الشوارع بالضواحي الأقدم في الظهرة وزاوية الدهماني.

ودخلت المستهلكاتُ الأوروبية الدكاكينَ .. من معلبات وجبنة وبسكويت ومربي وخمر. وتضاعفت محلات الحرفيين من الحدادين إلى الصيادلة ، ناهيك عن حرف اختفت في عصرنا الحديث مثل السرّاجين والنعالين والسقاؤون ومحلات ريش النعام. واشتهرت قري مجاورة بحرف وتجارات معينة ، فالحصران في زاوية الدهماني والحدادون في العمروس لصناعة المناجل والمحاريث.

وكانت وسيلة المواصلات الأساسية هي الكروسة التي يجرها الحصان ، وكانت محطتها بجوار السراي .. وذات تعريفة محددة من البلدية .. وتبقى خلال الليل عربيتان لحالات الطوارئ ! لكن الحمير كانت وسيلة نقل أرخص ، وكان أصحابها يؤجرونها .. أما محطتها فكانت بشارع المقريف .. مصطفة في طابور ، يختار منها المواطنُ الحمارَ الذي يعجبه ويتـفق مع صاحبه! ثم جاءت الدراجــة التي سماها الناس في البداية "كروسة الريح" ، واقتصر استعمالها لفترة على الأجانب!

ويسجل رحالة إيطالي مرّ بطرابلس سنة 1902 ، كيف أن المدينة شهدت توسعا خرجت به عن الأسوار القديمة ، وأنه قد فتح شارعان واسعان متقاطعان بهما عمارات حديثة ومخازن والنادي العسكري وينتهي الشارعان عند حديقة صغيرة تسمّى .. جنان الفريق ، نسبة إلى رتبة الوالي.

كما يسجل الرحالة بانزه مشهد الصباح بالمدينة الذي يفتتحه الباعة المتجولون: فـأول من يظهر في الشارع الراعي المالطي بمعيزه ليبيع الحليب من الضرع أمام بيت منزله ، ويخرج الصبيان بائعي السفنز ثم باعة السحلب والياغورت. وتصف نفس المشاهد الأميركية مابل تود التي ألفت كتاب أسرار طرابلس (سنة 1905) : الشوارع تعج بالناس .. بالك بالك .. ويقفز المرء لسماعه صرخة مفاجئة .. ويمر حمار نحيل مثقل .. وحيوانات أخرى رازحة تحت سلال من القش معبأة بالجرار ، أو تحت ثقل خروف .. ويصيح الباعة .. دحي ، برتقال بطاطا. الشوارع مملؤة بالليبيين بجرودهم البيضاء الأقرب إلى التوجا الرومانية ، والنساء ملفوفات في الفرّاشية التي لا تسمح إلا برؤية عين واحدة .. وهناك اليهود المتعجلون والمالطيون .. والفزانيون السمر والسود بلون الأبنوس. وعلى الشاطئ ، كل يوم ثلاثاء يلتقي قرابة عشرة آلاف من الأهالي للبيع والمقايضة ... وفي شهر ما من كل عام تعود القافلة من الجنوب .. ربما ألف أو 1500 بعير .. وتخرج كل طرابلس للترحيب بالعائدين .. الذين لفحتهم الشمس ومشاق السفر. ويبحث كل تاجر عن وكيله وبضاعته.

التكدس والمرض


أدى التكدس السكاني إلى ظهور مشاكل صحية ، وهذه أكدت على ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية ، من ذلك تشكيل لجنة أهلية للإشراف على تنظيف المدينة ومكافحة مرض التيفود الذي يبدو أنه انتشر بين السكان. وجاء في بيان تشكيل اللجنة (مايو 1872) :

’’إن اتخاذ أسباب تنظيف البلد و تطهيرها من سائر العفونات و الأوساخ ينبغي في كل وقت و يتأكد حين حدوث بعض الأمراض و بتقدير الله تعالى و حكمته مرض التيفو المعروف بمرض السخانة موجود الآن بهذه النواحي , نرجو من ألطاف الله تعالى إزالته.



ولذلك تخصص كومسيون ( لجنة ) لأجل الإشراف على تنظيف البلد و تطهيرها كي يحصل كمال النظافة... والتنبيه كل من يرمي وسخا في الأزقة والشوارع يجازى جزاء نقديا بمقتضى النظام وتكلفوا الأهالي جميعا بأن يبيضوا بيوتهم من الأسفل إلى أعلى قوس الباب ...‘‘[1]

الآداب العامـّـة

طرابلس كأي مدينة عرفت مشاكل الآداب العامة ، كما نرى في عريضة يبدو أن مواطنا تقدم بها للبلدية يقول فيها :

’’ ... إن أصل غالب الفساد يقع من الحانات التي بالمنشية وفي حارة العمروص بالساحل ، لكونها تبقى مفتوحة ليلا .. وتكون بها آلات المزامير والنسوة الفاحشات و تأوي إليهم أهل الفساد وأصحاب التهم وغيرهم ... فنرجو حصول الفضل بصدور أمركم العالي لمن يلزم بالمنشية على أصحاب الحانات المذكورة بعدم فتحها بعد صلاة المغرب ومن لم يمتثل يجازى خصوصا حانة اليهودي ماني الكائنة براس شارع السيدي .. فان اقتضى رأيكم الصائب تسكيرها دائما كان أولى وأجلب للراحة ولأجل ذلك تجاسر العاجز بتقديم هذه العريضة و باقي الأمر والفرمان لحضرة من له الأمر‘‘[2]. (يوليو 1876 م ).

وبالطبع يتجاوز تدبير حياة المدينة مثل هذه المسائل ، فقائمة المخالفات طويلة كما نرى في لائحة الأحول الممنوعة التي أصدرتها البلدية ، وإيرادها هنا ليس فقط لتوثيقها ، لكن القائمة تلقي ضوءا على الحياة اليومية في مدينة طرابلس قبل أكثر من قرن:

’’ إن الأحوال الممنوعة من البلدية هي إلقاء الكناسة في الأزقة .. ووجود أوعية وأواني بدكاكين الطباخين و المطاعم بلا قصدير , وما بالحمامات من فوط و الازارات و ما شابه ذلك موسخا و صب المياه و الغـسَالة في الأزقة, وعدم إخراج جعب الصوبا أي المداخن من حواشي الأبنية إلى فوق وطرق المياه بدون أخذ تذكرة الرخصة من إدارة البلدية .. ونقل جلود الأغنام مكشوفة على الدابة بدون وضعها في زنبيل .. ونصب خيام لبيع الأشياء و الأرزاق في الأزقة ... ويلزم أن تكون الأوزان والاكيال والمقاييس عموما تامة ومدموغة ..‘‘[3][4] .

حنفية بير بومليانة

بتزايد سكان طرابلس ، لم تعد الآبار المحلية كافية لحاجة السكان. وقد قامت البلدية ببناء خزان عام تحت سور المدينة عند ( مدخل سوق المشير الآن ) وأوصلت إليه ماء الشرب من بئر بومليانة. وقد جرى احتفال كبير بالمناسبة ، ويصف تقرير رسمي الحدث:

’’ .. من المعلوم الذي لا يستحق الشرح أن ولاية طرابلس تنقصها الأنهار ، لذلك فإن أهالي هذه المدينة [يضطرون] لشراء ما يحتاجونه من ماء الشرب من الباعة الذين يجلبونه من الآبار العذبة في ضواحي المدينة ويعاني الفقراء مشقة وصعوبة في الحصول عليه.

وعليه فكرت البلدية في إسالة ماء بئر أبي مليان الذي يبعد بمسافة كيلومترين ونصف بواسطة أنابيب معدنية قطرها 10 سنتيمترات ونصف , وتمهيدا لذلك أجرت حفريات لتوسيع البئر المذكورة و تعميقه و تطهيره .. واستوردت من ماكينة بخارية قوتها أربعة أحصنة .. وأنشأت خزانا بقرب باب الخندق تتجمع فيه المياه و تتدفق من 6 حنفيات.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الأحد 02 أكتوبر 2011, 23:34


وفي يوم الخميس .. احتفل بهذا المشروع بحضور الوالي [احمد راسم باشا] وقائد الحامية وكبار الموظفين من عسكريين ومدنيين وهيئة دائرة البلدية , وجمع غفير من الأهالي , وافتتح الحفل بدعاء بليغ من طرف المفتي الشيخ مصطفى باكير , وعزفت الموسيقى وذبحت القرابين , ثم تدفق الماء المحَـلّي بالسكر ( الشربات ) من الحنفيات ليشرب منه الجميع. وخزان باب الخندق هذا طوله 7 أمتار وعرضه 6 أمتار وارتفاعه 5 أمتار , ويستوعب 62400 أقه من الماء أي ما يعادل 78000 ليتر , متين الجدران من الداخل , ومزخرف بأنواع الزينة بصورة فنية جميلة من الخارج و مربوط بكل حنفية كأس من نحاس للشرب وأمام كل حنفية حوض مبطن بالنحاس وتتصل هذه الأحواض بمجار لصرف المياه الآسنة إلى البحر وقد خفضت تسعيرة (عبوة) أربع جرار من 60 بارة (قرش و نصف) إلى 20 بارة ( نصف قرش ) نظرا لقرب الحنفية من المدينة و سهولة تناول الماء منها‘‘[5].




بـرج السّـاعة


وحوالي 1860 أمر والي طرابلس آنذاك المشير على رضا باشا وهو جزائري الأصل ، وضابط مدفعية بالمهنة ، بتشييد برج صغير لساعة بالمدينة استكمالا لمظاهر التحضّر. وعندها أخذ العرب يزعمون أن الباشا قد إتخذ جرسًا مسيحيا ، وباعتباره رمزا للكنيسة لم يرق للمسلمين المتشددين.

وقد عمل هذا الوالي سنة 1869 ، أيضا على توطين فقراء ’’ من الزاوية والجبل والمنشية ومشردين من تونس ‘‘في بمبه وتوكرة في إقليم برقة ، وأعطاهم بضعة رؤوس ماعز وحبوبا كي تستخدم بذارًا , وأمن لهم مساكن قامت بتشييدها الحكومة. وقد أطنبت الصحف العثمانية في مدح ذلك المشروع المحدود النجاح[6] .

الصحـافــة

إثر الإصلاحات الدستورية في الدولة العثمانية التي سمحت بوجود برلمان منتخب عرف بمجلس المبعوثان وإطلاق حرية الصحافة ، شهدت طرابلس كغيرها من الولايات العثمانية ظهور صحف مستقلة أهمها الترقي لصاحبها محمد البوصيري ، وصحيفة المرصاد لصاحبها أحمد الفسطاوي والتي حررها محمود نديم بن موسى.

وعكست لغة واهتمامات تلك الصحف ، إلى جانب الجريدة الرسمية "طرابلس غرب" ، روح ذلك العصر .. فالأولوية تعطى لأخبار السلطان بإسهاب وحشو لفظي مفرط ، ثم أخبار الوالي. وهناك محاولات لشرح طبيعة الإصلاحات أو ما عرف بالمشروطية. كما تحتل القصائد المنظومة الطويلة مساحات واسعة من الجرائد. لكن المتمعن يستطيع أن يلتقط بعض الأخبار أو التعليقات التي تبرز بعض الأحداث العادية والأمور التي تشد عقل رجل الشارع. وقد انتقيت فقرات لعلها تعيد القارئ إلى تصفح جرائد ليبية قبل قرن .. حوالي سنة 1908.



العـسف


لا شك أن طرابلس حققت تطورا هاما إبان العهد العثماني الثاني ، خاصة على مستويات التنظيم الإداري ، والامتداد العمراني. كما شهدت ازدهارا اقتصاديا. لكن تلك التطورات لم ترتفع إلى مستوى التقدم ، إذ أن تلك التحولات ظلت دون قاعدة معرفية تستند على العلوم والتقنية ، فقد كانت ثقافة المجتمع العثماني متخلفة غير قادرة على استيعاب ما شهده العالم من كشوف علمية ومخترعات ونهضة فكرية تؤكد حرية الرأي والتعبير. وبالطبع كانت السلطة في ليبيا ، في أواخر القرن التاسع عشر، مجرد امتداد للتخلف الذي هيمن على رجال الدولة في العاصمة الآستانة (اسطنبول). ولذلك أيضا بقيت مظاهر التطور الذي عرفته طرابلس مقيدة بنظام سياسي تقليدي.

للأسف لم تدرك السلطة العثمانية أهمية العلم والصناعة ودورهما في قوة المجتمعات وازدهارها. ولذلك عوضت السلطة العثمانية فشلها عن تحقيق أي تقدم ، بمزيد من العسف والجور والضرائب. وفي غياب برامج تنموية وإصلاحية ، ترك الأمر في أطراف الدولة لشهوات وأمزجة ولاة معظمهم من العسكريين الذين لا هَـمّ لهم إلا المحافظة على الأمن وجمع الأتوات. ولهذا ساد الشعور بالتذمر والظلم ، كما نقرأ في برقية بالتلغراف من بعض أعيان طرابلس إلى الصدارة العظمى [الوزارة] باستانبول:

’’الصدارة العظمى ...


حارت العقول من إجراءات الوالي أحمد راسم باشا.

أدركوا الولاية فالعبارات تضيق عن التفصيل ،

الوالي يقلب الحقائق ،

أهل الولاية احرقهم بظلمه عشرة سنين ،

حال بيننا و بين عدالة دولتنا العلية ،

كثرت اشتكاءتنا وهو يزداد ظلما ،

الالتجاء إلى أعتاب أمير المؤمنين أنقذونا من الأسر

الأهالي مطيعون مقهورون مظلومون متبرؤن مما ينسبه الوالي إليهم ،

نتوسل بجاه الله ورسوله وخليفته أن تنقلوا عنا الوالي .. وتستريح الولاية و المسلمون ،

أعضاء الإدارة و البلدية و العدلية ينتخبهم بنفسه و يعزلهم.

موقعة من عبيدكم المخلصين وجوه الولاية‘‘[7] .

وفي برقيةأخرى يقولون:

’’إلى العتبة العليا للحضرة الملكية ,

إلى الصدارة العظمى .

إن أحوالنا التي تبوء بالخسران واليأس والحرمان الذي نتعرض له من والينا الذي شتت الرعية وفرق ما بين الأهالي بما ألقى من فتن و عداوة والذي أحرق وشوى قلوب العباد بنار ظلمه واستبداده.

وإن أعماله شغلتنا عن التفكير في أعراضنا و أموالنا بل جعلتنا لا نفكر إلا في المحافظة على أرواحنا، وهي وديعة الله لدى حضرة مولانا السلطان مثال الشفقة‘‘[8] .

جمعية سراج الدين

كانت الدولة العثمانية تعيش حالة من القلق والتوتر بسبب عوامل ثلاثة. أولا الخوف من التوسع الاستعماري الأوروبي الذي قاد إلى احتلال فرنسا للجزائر (سنة 1830) وتونس (1881) واحتلال بريطانيا لمصر عام 1882. والعامل الثاني كان تخلف الإدارة وتشبث السلطان باستبداده التقليدي. وأخيرا الحركات المطالبة بالإصلاح الدستوري والتحديث. وألقت كل هذه العوامل بظلالها على طرابلس المهددة بأطماع إيطاليا وهشاشة اقتصادها المهدد دائما بدورات الجفاف والقحط. وإثر دخول المطبعة (الحجرية) حوالي سنة 1860 ، صدرت صحيفة طرابلس غرب. لكن بداية الصحافة الحديثة والأهلية كانت بصدور صحيفة الترقي سنة 1897 ومجلة الفنون في السنة التالية ، والتي سعت إلى إطلاع قرائها على مواضيع العلم والصناعة والزراعة. كما افتتحت الدولة مدرستين مما عرف بمدارس الرشدية ومن طلبتها النابهين أوفد بعض الصبيان إلى إسطنبول لتأهيلهم كموظفين لتسيير إدارات الولاية. وفي هذا المناخ ظهرت نخبة ضئيلة من أبناء المدينة ، متعلمة تتابع ما ينشر وخاصة في الصحف الصادرة في تركيا ومصر ، وخاصة صحيفة الجوائب الشهيرة التي كان يصدرها أحمد فارس الشدياق.

في تلك الفترة ، قدم إلى طرابلس رجل يدعى ابراهيم سراج الدين ، واتصل بآل المدني ، وصهرهم أحمد النائب الذي عين رئيسا لبلدية طرابلس سنة 1878. ويبدو أن ابراهيم سراج الدين كان متشربا لأفكار تيار اليقظة العربية الإسلامية[9] الذي عبر عنه رجال أمثال عبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني. وهكذا سعى إلى تأسيس جمعية ، وصفتها السلطات فيما بعد بأنها جمعية سياسية سرية. وانضم إلى الجمعية عدد من التجار والمثقفين ، ووضعوا أهدافها ومنها " الرقي بمستوى ضباط الجيش بإطلاعهم على الجرائد المتخصصة في فنون الحرب للاستعداد للتصدي للاستعمار القادم". أما الهدف الرئيسي الثاني فكان " نشر المعارف والعلوم في الولاية ودعوة الناس إلى التعليم وإنشاء مدارس عالية للطب والهندسة والصنائع .."[10]. وتبرع الأعضاء بالمال اللازم لنشاط الجمعية.

لكن سلطات الولاية المتوجسة سرعان ما قمعت تلك المبادرة ، وكعادة الدول في التعامل مع منتقديها ، ألبست الجمعية رداء الكفر. فقد ورد في تقرير أحد المخبرين أن أعضاء الجمعية كانوا من عبدة الشيطان ، فقد رأى من شباك المربوعة التي كانوا يجتمعون بها ذات مساء على ضوء مصباح الكيروسين ، ظل رأس كلب يعبدونه حسب إدعائه. ويعتقد الصديق والمؤرخ الكبير محمد عبد الكريم الوافي أن ما تحدث عنه المخبر كان على الأرجح ظل كرة أرضية ، ربما استخدمها أحدهم أو سراج الدين نفسه لشرح التوسعات الاستعمارية والمخاطر المحدقة بالإمبراطورية العثمانية !!

على أية حال ، تم التحقيق مع أعضاء الجمعية وانتهى الأمر بالحكم على سراج الدين بعشر سنوات ، وفي سجنه توفي ، ربما بداء السل. أما أحمد النائب وحمزة ظافر المدني فقد نفيا إلى إسطنبول عاصمة الدولة العثمانية. ويبدو أن أحمد النائب عاش حياة هانئة هناك ، خاصة وأنه أختير عضوا بمجلس بلدية اسطنبول سنة 1885 بمرتب مجزي. وكان هذا الحظ الطيب بفضل جهود صهره ، أب زوجته ، الشيخ محمد ظافر المدني شيخ الطريقة المدنية ، والذي كان مقيما بالآستانة (أسطنبول) آنذاك كأحد مستشاري السلطان عبد الحميد. وهناك عكف النائب على تأليف كتابه ’’ المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب‘‘ ، الذي طبع سنة 1899.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الأحد 02 أكتوبر 2011, 23:36




النوايا الإيطالية


مع تواصل حركة الاستعمار الأوروبي ، كاحتلال مصر سنة 1882 ، تزايدت شكوك الشعوب من أي توسع تجاري أوروبي. ونصادف مثلا في تلك الحقبة ، عريضة موقعة بختم 220 شخص من أهالي طرابلس يعربون عن تخوفهم من الأنباء الذائعة بأن الدولة منحت للإيطاليين امتيازات لتمديد سكك حديدية و إنشاء ميناء طرابلس:

’’ لحضرة صاحب المقام السامي بالولاية

يعرض العاجزون أنه يستفاد من الأخبار الصادرة عن روما ومما تكتب الصحافة الأجنبية بأن امتيازَيْ إنشاء ميناء طرابلس الغرب وتمديد سكك الحديدية في الدواخل منحت لشركة ايطالية وإن هذا الخبر أيد صحته سفير الدولة العثمانية في روما.

و بما إن الايطاليين .. نواياهم اتجاه هذه الولاية معلومة فإن منح مثل هذه المشاريع الهامة للشركات الايطالية يسبب لنا في المستقبل كثيرا من المشاكل .. فإننا باسم الصالح المحلي نرجو تأسيس شركات أهلية لتنفيذ المشاريع الهامة المفيدة وإذا رأت الدولة إن الضرورة توجب الاستعانة بالرأسمال الأجنبي فلا تعطى هذه الامتيازات للبنوك الايطالية التي تقرض فقراء الناس بشروط مغرية لكي تستولي بالتدريج على أراضيهم الزراعية مستهدفة التوسع في التملك بولايتنا ..‘‘[11] .

بنـك رومــا

وفي أواخر العهد التركي .. صدرت صحف في طرابلس وأهمها صحيفة الترقي الأسبوعية التي كان يصدرها محمد البوصيري .. وأخيرا قررت الدولة تبني نظام التجنيد الإجباري. وبالمقابل تواصل التغلغل الإيطالي ، بالدرجة الأولى عن طريق بانكو دي روما .. سواء عن طريق القروض وتمويل المشاريع أو شراء الأراضي بمساعدة وسطاء ليبيين. كما تواصلت الحملة الدعائية في إيطاليا لاحتلال ليبيا .. وفي هذا السياق توالى على زيارة طرابلس صحفيون وسياسيون مثل إنريكو كوراديني زعيم الحزب الوطني .. أحد غلاة الاستعماريين الطليان .. ووصف طرابلس بأنها أجمل مدن البحر المتوسط .. وبالغ في إمكانياتها الموعودة .. مؤكدا أن احتلالها واجب ينتظر إيطاليا.

افتتح بنك روما فرعه في طرابلس سنة 1907 ، وكان متلهفا للاستثمار في أي شئ وبالمقابل كانت البلاد بحاجة لكل شئ. وتزامن افتتاح فرع بنك روما مع مرور البلاد بأزمة اقتصادية خانقة سببها الجفاف. وكان إثنان من ممثلي طرابلس في مجلس المبعوثان ، هما محمود ناجي والصادق بالحاج ، قد قدما رسالة إلى المجلس شرحا فيها ظروف ولاية طرابلس.

منها هجرة الآلاف إلى تونس فرارًا من القحط وطلبا للرزق ، وكثرة المتسولين .. وطالبا بإرسال المساعدات .. وأشارا إلى تباطؤ حكومة الآستانة في إرسال المعونات. وبالمقابل دفع سوء الأحوال الاقتصادية الناس إلى التعامل مع بنك روما ورهن أراضيهم للحصول على قروض. كما استورد البنك القمح والشعير وباعها للمحتاجين على أن يدفعوا ثمنها بعد الحصاد ، وكانت المبادرة لغايات سياسية أكثر منها تجارية[12].



ورغم أن الناس قابلت افتتاح بنك روما بشك وعداء شديدين ، إلا أن الكثيرين وخاصة التجار وجدوا أن أسلوب المصرف الحديث أفضل من النظم السابقة خاصة الاستدانة من المرابين. ومن جهة أخرى نجح البنك في اجتذاب سماسرة ، قاموا بإقناع ملاك ببيع أراضيهم خارج شروط قوانين التسجيل السارية.

ودعم بنك روما الاستثمارات الصناعية ، حتى ولو كانت دون جدوى اقتصادية ، من باب السيطرة على كل المشاريع التي كانت البلاد بحاجة إليها .. كالمطاحن ومعاصر الزيت ومكابس الحلفا والاسفنج والنقل البحري. كما أسس بنك روما مطبعة وأصدر صحيفة إيكو دي تريبولي أو صدى طرابلس.

أجراس الحرب

تأكدت نوايا إيطاليا بغزو البلاد ، واستجابت السلطة التركية بإصدار قانون التجنيد الإجباري ، ووصلت باخرة من استانبول بحمولة كبيرة من بنادق الموزر وصناديق الذخيرة والأدوية .. وتطوع البحارة الليبيون بقواربهم الصغيرة بإنزال ما في السفينة.

ويوم أول اكتوبر ، كما يحكي الأستاذ محمد الأسطى في سيرته : ’’ جاء أخي إلى البيت .. وقال لنا : كنا اليوم فوق قبة جامع سيدي محمد بن الإمام .. وشاهدنا دخان السفن الحربية الإيطالية .. ومن المؤكد أن عدوانا سيقع .. وجاء آلاف البدو من الدواخل بإبلهم وتطوعوا لنقل المؤن والأسلحة والذخائر إلى خارج المدينة .. وفي شارع العزيزية [المقريف الآن] وقف ضابط يخطب في جموع الناس ، وسمعت بعضهم يقول أنه درناوي .. وبعض المواطنين بأيديهم مناظير يدورون بها لمشاهدة تحركات سفن العدو في البحر .. وصدرت أوامر بإخلاء طرابلس من الجيش حتى لا تقع إصابات بين الأهالي .. معظم الدكاكين مقفلة .. وفي الأطراف شاهدت ضباطا يدربون المواطنين على استعمال البنادق الجديدة‘‘[13].

______


مراجع:


[1] ص 153-154 من كتاب حكاية مدينة للأستاذ خليفة التليسي ، الدار العربية للكتاب ، 1974.

[2] نبات الحلفا وقيمته الاقتصادية في ليبيا في النصف الثاني من القرن 19 ، د. عبد الله ابراهيم ، ص 709-726 ، من كتاب المجتمع الليبي (1835 – 1950) ، تحرير د. محمد الجراري ، مطبوعات مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية ، 2005.

[3] فصل التطور العمراني والمعماري في ليبيا من 1835 إلى 1950 ، للمهندس علي الميلودي عمورة ، ص 905-993 ، من كتاب المجتمع الليبي ، تحرير د. محمد الطاهر الجراري ، مطبوعات مركز جهاد الليبيين ، 2005.

[4] انظر كتاب طرابلس في مطلع القرن العشرين ، إفالد بانزه ، ترجمة عماد الدين غانم ، مركز جهاد الليبيين ، 1998. وكذلك فصل " المجتمع الليبي لدى الرحالة الأوروبيين" ، د. عماد الدين غانم ، ص 309 - 335 من كتاب " المجتمع الليبي (1835-1950 ) ، مطبوعات مركز جهاد الليبيين ، 2005.

________



هوامش:



[1] الوثيقة 16 ، ص 111 ، من كتاب بلدية طرابلس في مائة عام ( 1870- 1970) ،صادر عن بلدية طرابلس، 1973.

[2] ص 113 ، كتاب بلدية طرابلس.

[3] ص 122-123 من كتاب بلدية طرابلس.

[4]

[5] ص 127 من كتاب بلدية طرابلس ، وص 104-105 من كتاب وثائق تاريخ ليبيا الحديث ، الوثائق العثمانية (1881-1911) ، ترجمة عبد السلام أدهم ، مراجعة أحمد الدجاني ، منشورات جامعة بنغازي ، 1974.

[6] ص78 إلى ص 87 من كتاب: رحلة من طرابلس إلى الإسكندرية ، تقارير الرحالة الألماني غيرهارد رولفس عن رحلته سنة 1869 ، ترجمة د عماد الدين غانم ، مركز الجهاد للدراسات التاريخية ، 2002

[7] ص 85 من كتاب ثائق تاريخ ليبيا الحديث: الوثائق العثمانية 1881 – 1911 ، ترجمة عبد السلام أدهم و مراجعة د أحمد صدقي الدجاني ، منشورات جامعة بنغازي ، 1974.

[8] ص 86 من كتاب وثائق تاريخ ليبيا الحديث: الوثائق العثمانية.

[9] ليبيا قبيل الاحتلال الإيطالي ، أحمد صدقي الدجاني ، 1971.

[10] ص 128 ، رسالة ماجستير بعنوان المؤرخ الليبي أحمد النائب ، إعداد عثمان البدري ، إشراف أ. د. محمد عبد الكريم الوافي ، جامعة قاريونس ، 2003.

[11] ص 223 من كتاب ثائق تاريخ ليبيا الحديث: الوثائق العثمانية 1881– 1911 ، ترجمة عبد السلام أدهم و مراجعة د أحمد صدقي الدجاني ، منشورات جامعة بنغازي ، 1974.

[12] ص 103 وما بعدها ، بنك روما والتمهيد للغزو الإيطالي لليبيا ، د وهبي البوري ، مجلس الثقافة العام ، 2006.

[13] ص 27-33 من كتاب ورقات مطوية ، تأليف محمد الأسطى ، المنشأة العامة للنشر ، 1983. مع شكري لأستاذة علم المكتبات آسماء الأسطى التي أهدتني نسخة من الكتاب.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الأحد 02 أكتوبر 2011, 23:38


الأيام الطرابلسية (الحلقة السادسة): أيام الهاني





حرّكت إيطاليا أساطيلها لاحتلال ليبيا في نهاية سبتمبر 1911 ، بعد حملة دعائية ودبلوماسية طويلة. وتحدث غلاة المستعمرين والعسكريين عن نزهة بحرية. وحقيقة ، لم تكن القوات العسكرية التركية المتواجدة على الأراضي الليبية بقادرة على صد العدوان سواء بحكم عددها أو عدتها. لكن مقاومة الليبيين لجحافل الغزو الايطالى الأولى، كانت مذهلة.

نعم .. كانت آلة الحرب الايطالية هائلة نسبة الى قدرات الشعب الليبى. لكنها انطوت على جهالات استراتيجية ضخمة: جهل الطليان بطبيعة الحرب فى بيئة صحراوية، والحاجة لخطوط إمداد شاسعة، وكيفية مواجهة عدو مرتحل دوما. ولذلك لم يتوغل الإيطاليون ولعدة شهور، سوى بضع كيلومترات من المدن الساحلية.

لكن نداء الجهاد الذى لبّاه أغلبية الليبيين ، كان نداء الدين والوطن والشرف .. فخاضوا معاركهم وفق استجابات فطرية بالكر والفر، ولو بدون إلمام فعلي بأسس التنظيم والقيادة أو الأسلحة الحديثة.

بعد قصف مدفعى من سفن الأسطول ، أنزل الايطاليون قواتهم في المرافئ الليبية الرئيسية وسرعان ما سيطروا عليها. ويقول شاهد عيان: عندما وصلوا إلى شواطئ طرابلس .. رسى قارب صغير ، نزل منه ضابط إيطالي حاملا الإنذار بتسليم البلاد في 24 ساعة .. كان ذلك يوم 2 أكتوبر .. وقفت مجموعة من الناس ترقب القارب من بعيد .. لكن وكيل الوالي رفض توقيع ورقة الاستسلام .. في اليوم التالي ، يوم الثلاثاء 3 اكتوبر ، عند الساعة الثالثة بعد الظهر انتهى موعد الإنذار وشرعت سفن العدو في القصف وخاصة على قلعتي السلطانية بجوار سيدي الهدار والحميدية قرب سيدي الشعاب .. واستمر إلى اليوم التالي .. كانت القلاع ترد .. ومع كل قذيفة مدفع كانت البيوت تهتز .. في يوم الخميس توقفت مدفعية الاستحكامات .. ونزل البحارة الطليان إلى البر‘‘[1].




ومن المدن تقدم الطليان بالتدريج، عبر سلسلة من الصدامات غير المتكافئة إما ضد حاميات عثمانية هزيلة أو ضد موجات الليبيين من مشاة او فرسان شبه عزل، تحت هذه النخلة أو وراء تلك الربوة. تلك كانت عشرات المعارك الأولى، التى حقق بها الغزاة هيمنتهم على المدن الساحلية ومحيطها القروى ، واعتبرها الإيطاليون المتعطشون لانتصارات امبراطورية معارك ضخمة يباهون بها أمام الدول الكبرى





المدن الساحلية: طرابلس ، الخمس ، مصراته ، بنغازى ، درنة ، استسلمت سريعا! بفعل القوة العسكرية المحضة ، فالمدن في كل أنحاء العالم قلما تصمد أمام المدفع. كان أمام المدن خيار واحد .. إنقاذ ما يمكن إنقاذه والتسليم بالأمر الواقع .. وهنا جاء دور الأعيان والعقلاء الذين يفهمون لغة المصالح[2] ، ويسارعون لمداهنة واسترضاء الأقوى. وكان الإيطـاليـون قد مهدوا لغزوهـم عبر نـشاط بنك روما الذي اسـتـثـمر في مشاريع واشـترى أراضى ومـوّل بعض الأعيان والأسر فـضمن ولاءهم وتعاونهم.

وهكذا وخلال أيام، أنزل الطليان قرابة ألفى رجل من رجال البحرية لضمان الأمن فى مدينة طرابلس قاموا بالتمركز فى التحصينات والثكنات والنقاط الهامة لسور المدينة .. وأصبح الأدميرال ريتشى حاكما مؤقتا. وكحل مؤقت قرر الطليان تثبيت الأمير حسونة القرملىّ في منصبه رئيسا للبلدية. وطلب آمر المدينة، من الأهالى تسليم البنادق التى فى حوزتهم .. وفى 12 اكتوبر بلغ عدد البنادق التى سلمت 3250 بندقية ماوزر فى أغلبها ..’’[3]

وهكذا نزل الطليان إلى طرابلس بعد ثلاثة أيام من القصف ، وعادت الحياة في المدينة شبه عادية .. سوى سحابة من الكآبة التي خيمت عليها .. والناس في صمت ووجوم .. وغصت منطقة سوق الثلاث وكانت على الشط قرب الفندق الكبير ، بالجنود والخيل والبغال والمدافع .. تحول السوق إلى ثكنة عسكرية إيطالية. وتمركزت القوات الإيطالية على خط يمتد من الهاني إلى سيدي المصري وبومليانه وقرجي .. يحفرون الخنادق وينصبون الخيام.







وبقى الايطاليون فترات طويلة متحصنين فى المدن لا يخرجون منها، ولم تقع سوى مناوشات متفرقة، نتيجة هجومات فدائية من المجاهدين. وكانت أكبرها معركة شارع الشط أو الهاني الشهيرة فى طرابلس التى كانت هجوما من وراء الخطوط أرعبت الطليان وجسمتهم خسائر فادحة. ونلمس ما أحاق بالطليان من رعب في عبارت مراسل صحيفة لاستامبا الذي وصف يوم الشط : ’’.. اندلع ضجيج جهنمى من وراء ظهورهم .. وبرعب وجّه الضباط والجنود أنظارهم ليروا مصدر النيران وهم يتساءلون كيف كان باستطاعة هؤلاء أن يطوقوهم … لم يروا أي جندي تركي. العرب هم الذين يطلقون النار .. من النوافذ وزوايا الشوارع والبساتين … وهكذا وقع أبناؤنا بين نارين … لم يعرف غضب العرب حدودا … وقد ظهر الصبيان والنساء فى صفوف المقاتلين ..‘‘[4].




ولدينا صيغة أخرى ليوم الشط / الهاني. فقد كان الهدوء سائدا على طول الجبهة. كانت كتائب الطليان منتشرة في جبهة تمتد من قرجي إلى سيدي المصري و الهاني و شارع الشط والنوفليين والسوالم وشارع الزاوية. فنصبوا الخيام وحفروا الخنادق وحصنوا المواقع بنصب المدافع الرشاشات. وكانت طائراتهم تحلق في رحلات يومية للاستكشاف[5].

ليلة العاشر من اكتوبر ظهرت دورية من المجاهدين بقيادة الملازم أول على أشرف المزوغي واصطدمت بقوات إيطالية عند بئر بومليانة.

فجر يوم 23 أكتوبر بعث البكباشي سليمان نشأت بكل من النقيب اليوزباشي محمد صنعي الترهوني والملازم المزوغي و الملازم الطاهر بالحاج ليلا إلى مدير الساحل رمضان الشريف ليعلموه بنيتهم في مهاجمة خطوط العدو .. وطلبوا منه أن يقوم بتحريض المواطنين من أهالي الساحل وعربان العلاونة والرقيعات والخـتـنة و عكارة ، وكانت إذ ذاك بساتين الضواحي مليئة بهم بمناسبة موسم البلح و أكثرهم يملكون بنادق الماوزر.




صباح يوم الاثنين 23 أكتوبر كانت جماعة من المجاهدين قادمين من الجهة الغربية فلما لاحت لهم مواقع الايطاليين أطلقوا عليها الرصاص ، فرد الإيطاليون عليهم مما أدى إلى وقوع شبه معركة. فاستجاب رمضان الشريف مدير الساحل و رفاقه من المشايخ و الرؤساء ومن معهم ظنا منهم أن الهجوم المبيت قد بدأ. وهكذا توسع الهجوم ضد المحتلين و هاجموهم في خيامهم وخنادقهم و معاقلهم في شارع الشط , وفي الهاني , والنوفليين وشارع بن عاشور. ودام القتال إلى ما بعد الغروب و قضى المجاهدون على أعداد هائلة من عسكر الطليان ، وغنموا جميع أسلحتهم و عتادهم.وكان رد فعل القيادة الايطالية انتقاميا ، وقام جيش الاحتلال بتقتيل الأهالي العزل بالجملة في شارع السيدي وشارع أبي هريدة والظهرة وزاوية الدهماني. وفيما بعد نفوا كثيرا من الرجال إلى جزيرتي اوستيكا و تراميتي في ايطاليا.




وفي فجر يوم الإربعاء ، 6 ديسمبر 1911 ، نصبت المشانق في الساحة [ ميدان الشهداء] .. وعند الصباح تم شنق 14 مجاهدا ’’ واستيقظ الناس ليجدوا في مواجهتهم طابورا من المشانق ، علقت فيها أجساد طاهرة من الشيوخ والشباب .. منظرا ظل محفورا في أعماق الجميع‘‘[6]

وبسيطرة الإيطاليين على المدن، وتخوفهم من التوغل والانتشار[vii] ، استقر خط المواجهة على طول جبهة القتال بضعة كيلومترات الى خارج طرابلس (العزيزية) وبنغازى ( بنينا) ودرنة (جبل بومنصور) … وحتى توقـيع اتفاقيـة لوزان التى تنازلت فيها تركيا فعليا عن ليـبـيا الى ايطاليا، لم يتجاوز عمق التوغل الايطالى جنوبا ، من شـاطئ البحر الخمسة عـشر كيلـومتر، عند المدن الرئيسـية !






وفي معسكرات الجهاد الأولى تنادى أهل الدواخل[viii] حول ما تبقىّ من جند وسلاح تركى نظامى، وانضم اليهم متطوعون من القوميين الأتراك وبعض أبناء المدن، والأعيان.

وقد زارالطبيب الألمانى فيليكس تيلهابر معسكر العزيزية وسجّل أنه ’’.. ومن المثير منظر القوافل البدوية الجديدة ، وهى تتوارد إلى المقر. وكل من في المعسكر يتجمع بالانتظار عندما تصل مجموعات كبيرة من الجنوب يتقدمهم الشيوخ … وكثير من هؤلاء المحاربين لم يتجاوز سنه 13 سنة .. وفيما عدا البنادق لم يكن لديهم شئ آخر مطلقا سوى العباءة .. وكانت وجبات طعامهم تتكون من بعض حبات التمر وشئ من الخبز والقديد‘‘[ix]. كما وصف الصحفى جورج ريمون الحياة فى معسكر بنينا. وهكذا انطبعت تجربة المعسكرات الأولى ، فى ذاكرة الليبيين ، كأول حرب نبيلة اجتمعت عليها إرادتهم ضد عدو مشترك.

أما المدن فسرعان ما خمدت، لكن سكانها واصلوا أشكالا من المقاومة، لعلها لم توثق بعد… فكانت تظهر ملصقات الجدران المعادية، مهددة بحرب طويلة ومشيدة بتصميم المقاتلين ، وقام بعض سكان المدن بإمداد المجاهدين بالمال والمؤن والمعلومات[x].

ولعب آخرون دور الوسطاء لتخفيف غلواء الغازي الجديد. ويبرز بين هذه الشريحة الأعضاء الليبيين الثمانية فى مجلس المبعوثان العثمانى، أدوارا متعددة في مواجهة الغزو الإيطالي .. سواء في التحريض على الجهاد وتنظيمه في البداية ، أو في التفاوض فيما بعد. وهؤلاء هم الصادق بالحاج ومحمد ناجى ومحمد فرحات عن طرابلس، و عمر منصور ويوسف شتوان عن متصرفية بنغازى ، وسليمان البارونى عن متصرفية الجبل الغربى، ومصطفى بن قداره عن متصرفية الخمس ، و جامى بك عن متصرفية فزان.

وقد أبدى هؤلاء الزعماء الشباب استجابات وطنية كما قد نتوقع، بحكم كونهم ليبيين وبحكم انتمائهم العثمانى. فالصادق وناجى قدما مذكرة الى البرلمان التركي[xi] تدين الإهمال أو ربما التواطؤ التركي. أما الباروني وفرحات فقد تواجدا مبكرا فى معسكر المجاهدين بالعزيزية كما تشهد الصور، وكذلك فعل عمر باشا منصور فى معسكر بنينا.



أعضاء مجلس المبعوثان العثمانى، كان دورهم سياسيا بحكم تعليمهم وكونهم رجال دولة، يؤمنون بالمؤسسات والقوانين والاتفاقات المكتوبة. لقد كانوا بمعنى ما طليعة نخبة جديدة بحكم انتمائهم الفكري والسلوكي الى العالم الحديث، ولم يبق ما يشدهم الى مجتمعهم سوى روابط عاطفية ومصالح دنيوية. لذلك اتسمت استجاباتهم بكثير من الارتباك. وزاد من قلقهم انتماءهم المزدوج الليبي والعثماني. وهكذا سريعا ما اختفى أغلبهم من الساحة السياسية.

فرحات أفندى الزاوى ... سافر الى المدن وشجع مجاهدى الزاوية والعجيلات وزواره على الالتحاق بالعزيزية. وحضر معركة شارع الشط ، ودعا المجاهدين الى آداء صلاة الجنازة على أنفسهم ! إدراكا منه لقوة سلاح العدو. وبعد توقيع تركيا الصلحَ مع ايطاليا، سعى مع غيره من الزعماء للتفاوض مع ايطاليا ، وبالفعل عُين رئيسا لمحكمة الصلح فى مدينة طرابلس . وتعاون فرحات الزاوى مع الإيطاليين لعدة سنوات. وعاد فرحات في ما بعد للظهور على الساحة السياسية الوطنية ، حين اختير رئيسا لوفد هيئة الاصلاح المركزية الى ايطاليا لعرض مطالب طرابلس على الحكومة الايطالية. ومع انهيار المقاومة فى اقليم طرابلس فى أواخر 1923 ، هاجر الكثير من الزعماء، الى الخارج. ولكن فرحات قرر الذهاب الى فزان حيث قتل غدرا فى 1925 على أيدى عملاء الطليان على الأرجح[xii].

وساهم سليمان البارونى كغيره فى جهود المقاومة الأولى ، حتى اتفاقية أوشى - لوزان. لكنه، على عكس الآخرين، واصل العمل فى حمّى من الحماس والتفاؤل، وكان أكثر زملائه ارتباطا بالتيارات الثورية فى جوف الدولة العثمانية. وكان متفائلا جدا ، ففى رسالة ( حوالى سنة 1914) يبشر زميله فرحات الزاوي بأن الجيوش العثمانية المجهزة بالمدافع والمناطيد تهدد قناة السويس، وأنها ـ بعد احتلال القاهرة وطرد الإنجليز - ستزحف غربا لتحرير ليبيا من الطليان، ويأمل أن يلتقيا في سرت[xiii]. كما كان الباروني مغامرا ، فعاد مع الضباط الأتراك عبر حدود مصر خلال الحرب العالمية الأولى.

كان الموقف الدفاعي الجهادي لليبيين استجابة طبيعية لغزو خارجي. بالمقابل كان الطليان معتدين وفق قرار استراتيجي هيأ له ودعمه غلاة الاستعماريين. لكن المسلك العسكري الإيطالي بل والإعلامي عموما ، لم يخلو من مظاهر ، كانت أقرب إلى الهوس الجنوني. فمن ناحية كان حرص الجنود والضباط على التصوير حول ضحاياهم قبل إعدامهم ، ثم حول جثث المجاهدين .. وهي صور نشرتها مجلاتهم آنذاك بقدر كبير من الفخر والتشفي. ومن جهة أخرى كان الخوف من المجاهدين والصحراء مهيمنا في قلوب الطليان ، بدليل تبجحهم في تصوير كل تقدم. ومن أغرب المواقف المبكرة ، استيلائهم على عين زاره على بعد بضع كيلومترات من طرابلس ، ثم تقدمهم إلى منطقة الهواري في بنغازي. وهما واحتان بسيطتان دافعت عنهما بضع وحدات تركية ومدنيين ليبيين. وقاد المعركتين جنرالات ، واحتفت الصحافة بتلك الانتصارت كما لوكانت معارك تاريخية .. وإلا كيف نفسر عنوانا عريضا في كبرى المجلات الإيطالية المصورة " ها قد أمست عين زاره إيطالية" !! والتعليل الأقرب إلى الحقيقة أن إيهام أنفسهم بتلك الانتصارات المؤزرة ، كان تعبيرا عن انتصارهم على ما كان في قلوبهم من رعب !










________
* للوصول إلى كافة الحلقات ومقالات وكتب اخرى للدكتور محمد المفتي اضغط هنـــــــــــــــــــــا

[1] كتاب ورقات مطوية ، تأليف محمد الأسطى ، المنشأة العامة للنشر ، 1983.

[2] للتـفـاصيـل والأسـمـاء انظر الصفحات 31-34 من كتاب جـهـاد الأبطـال للشـيخ الطـاهـر الـزاوى ، طـرابلس 1970.

[3] ص 69، كتاب تاريخ الحرب الليبيـة الايطالية، تأليف فـون غـرافـينـتـز، ترجمـة د عمـاد الدين غـانـم، منـشـورات مـركـز دراسـة جـهـاد الليـبــيين، 1986.

[4] ص 91-92 ، كتاب تاريخ الحرب الليبيـة الايطالية، تأليف فـون غـرافـينـتـز.

[5] والصور المرافقـة رغم أنها إيطالية وبالتالي متحيزة ، إلا أنها تظهر شدة القتـال وما أنزله في قلوب الطليان من هلع ، لم تخفيه صحافتهم آنذاك.

[6] ص 63 ، كتاب محمد الأسطى ، مرجع سابق.

[vii] ، انظـر المسـاحـات التى تم احـتـلالـهـا بالفـعـل، ص 377 من كتاب تاريخ الحرب الليبيـة الايطالية ، تأليف فـون غـرافـينـتـز.

[viii] سـجل الصحـفى جـورج ريـمــون فى كتابـه ‘من داخـل مـعـسـكرات الجـهــاد’’ أسـمـاء القـبائـل وزعـمـائـها فى مـعـسـكر العـزيـزيـة (ص 111 و 120) ومـعـسـكر بـنـيــنا (ص 308)،

[ix] ص 70 - 71 ، ‘‘مع الهلال الأحـمـر عـنـد أعـتاب طـرابلس’’، فيلـيكس تيـلـهــابـر، ت د عماد غـانـم، مـركـز دراسـة جهـاد الليـبــيين، طرابلس 1983.

[x] ص 275 - 276، كتـاب ‘من داخـل مـعـسـكرات الجـهــاد’.

[xi] نص المـذكـرة الكامل فى كتاب جـهـاد الأبطال، ص 61 - 70.

[xii] ص 135، كتاب مـحـمد فـرحـات الزاوى، تأليف د. الطويـر ، الدار الجمـاهـيـرية.

[xiii] ص 86 - 88 ، كناب ‘ الشيخ محمد فـرحـات الزاوى للطوير، وكتاب صـفـحـات خـالـدة من الجـهـاد لزعيمـة البــارونى ، القـاهـرة ، 1964 ، ص 486.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الخميس 06 أكتوبر 2011, 09:39

الايام الطرابلسية (الحلقة السابعة): أيام الجمهورية





الجمهورية الطرابلسية .. لماذا أعلنت ؟ لماذا قامت ؟


ولماذا اختفت بسرعة ؟

أجدادنا حرصوا على استبعاد العوامل السلبية من ذاكرتهم لأنها مؤلمة ومحيرة ، ولاعتبارات قد تستعصي على الفهم بعقلياتنا المعاصرة. فعلوا ذلك كمحاولة لتجاوز الضغائن وليحتفظوا بصورة مجيدة وزاهية لتلك الحقبة.

القرضــــابية

من المجدي أن نبدأ قصتنا من معركة القرضابية التي دارت يوم 29 ابريل 1915 في صحراء سرت وأدت إلى انكسار الجيش الإيطالي بقيادة الكولونيل مياني.

القرضابية التي لم تدم في حقيقة الأمر أكثر من ثلاث ساعات (من العاشرة والربع صباحا وحتى الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر)، تشغل مساحة عريضة فى الضمير التاريخى الليبى، ربما لأنها تشعل فى الذاكرة شتى العواطف المتناقضة ، فهي وإن كانت مذبحة لجنود العدو تدعو للفخر ، إلا أنها بطرد العدو الأجنبي من الدواخل ، فتحت فيما بعد بوابة لصراعٍ دموى بين الإخوة يدعو للأسى.

كان الطليان قد جهزوا جيشا قوامه 14 ألف مقاتل ، لغزو الجنوب واسترداد فزان. وكان ضمن هذا الجيش، فرق من المجندين الليبيين، يرأس كل مجموعة زعيمها القبلى[i]. ويسجل لنا الشيخ الطاهر الزاوى، المعاصر لتلك الأحداث ما كان يدور فى خلد الناس: ’’ وقد أحدث هذا الجيش رجة عظيمة فى البلاد .. وأصبح الناس بين حزين لما سيحل بالمجاهدين .. وبين شامت وهم الذين تربّوا على موائد الطليان .. وبين مؤمل خيرًا وهم الذين يحسنون الظن بإخوانهم رؤساء الجيش ...‘‘.

قرابة 400 رجل. وأثناء المعركة طلب مياني من رمضان السويحلي أن يتقدم بقواته من المؤخرة. لكن رمضان بقرار تاريخي فوري أملاه عليه ضميره الوطني، أمر من معه بإطلاق النار على الطليان. وهنا، فى لحظة رعب ، سادت الفوضى في صفوف الطليان وفـرّ منهم من فـرّ، ونجا ميانى الى سرت مجروحا.

ولما عاد السويحلى بقواته (محلته) بعد أيام الى مصراته ، حاصر المدينة ومن بها من قوات إيطالية لمدة 75 يوما. واضطر الطليان الى الإنسحاب فى 5 أغسطس 1915 ، الى قصر حمد حيث كانت السفن فى انتظارهم لنقلهم إلى طرابلس.





فى بنى وليد عاصمة قبيلة ورفلة ، أخذت الأحداث طابعا لا يقل درامية. لم يشارك عبد النبى بلخير وأعوانه في معركة القرضابية ، لكنهم إثر المعركة ، حاصروا الحامية الإيطالية خمسين يوما، وشاركت فيه قوات من مجاهدين قدموا من مناطق أخرى بقيادة الشيخ سوف المحمودي ، وأخرى بقيادة حمد سيف النصر. وفى نهاية يونيو 1915، استسلمت الحامية الإيطالية فى ورفلة، وأخذوا كأسرى. وفى أواخر 1917 نقل الأسرى الى مصراته حيث تم تشغيلهم فى مختلف الحرف، الى أن سُلموا الى الإدارة الإيطالية بعد صلح بنيادم.

ومع استمرار تدهور الأوضاع، قرر الطليان سحب حامياتهم من الدواخل، ولكن بشكل غير منظم وتحت مطاردة المجاهدين، وتكررت هذه الصورة فى سيناون ، وجادو (فساطو) ، وزوارة ، والعزيزية ، وسرت ، والزاوية وغدامس. وشارك فى هذه المعارك مجاهدون من مختلف المناطق.

بانسحاب الطليان، تحقق عمليا استقلال دواخل طرابلس.

في تلك الفترة عاد الشيخ سوف المحمودي من مهجره في الشام. دخل سوف ليبيا عبر الحدود المصرية (مارس 1915) والتقى بالسيد أحمد الشريف ( رسميا ، نائب السلطان العثماني ) الذي أسبغ على الشيخ سوف رتبة وكيل والى. وفى طريقه الى الغرب شارك سوف فى حصار الحاميات الإيطالية فى ورفلة وغريان، وخاض العديد من المعارك الأخرى. ثم استقر فى العزيزية، بصفته الجديدة كوكيل لأحمد الشريف نائب السلطان. وهناك عَيّن سوف هيئة إدارية وقادة للمجاهدين ومتصرفين للمناطق.




تلك هى ملحمة القرضابية، التى رغم ذكرها الإسمى وتمجيدها، فإن الكثيرين يتجنبون الخوض فى تفاصيلها !

القرضابية كانت معركة مجيدة حقـًا ، منحت المجاهدين ثقة بالنفس قادتهم إلى تأسيس الجمهورية الطرابلسية. لكن القرضابية شهدت أيضا إلقاء بذور التنافس والصراع المأساوي. وكانت أول مواجهة بين رمضان السويحلى وصفى الدين السنوسى الذي كان القائد الإسمي لمجاهدي قبيلة المغاربة التي كانت تقيم بين سرت واجدابيا والذين كان تصديهم لجيش مياني بداية معركة القرضابية[ii].

يمكننا اعتبار السنوات الستة التي تلت القرضابية ، كفترة هدنة نسبية بين الليبيين والطليان. كانت إيطاليا منشغلة فى الحرب العالمية الأولى. وهكذا وافقت ايطاليا على مفاوضة إدريس السنوسي في برقة ومن ثم الاعتراف بسيادته على دواخل برقة وبذلك تأسست إمارة برقة وعاصمتها اجدابيا. أما في طرابلس فقد تركت إيطاليا الدواخل فى أيدى الزعامات القبلية والجهوية.

حكـومة مصراتــه

كانت حكومة مصراته برئاسة رمضان السويحلى، الذي لم يكن قد تجاوز 36 عاما من العمر ، أهم سلطة وطنية برزت في فترة الهدوء النسبي أو الهدنة بين المجاهدين والطليان[iii].

فى أبريل 1916، وصل مصراته سليمان البارونى ، قادما فى غواصة من الآستانة يحمل فرمانا من السلطان رشاد الخامس ، بتعيينه واليًـا على طرابلس. كانت تركيا قد تنازلت عن ليبيا لإيطاليا في اتفاقية أوشي- لوزان، لكنها إرتأت الآن ، أي إبان الحرب العالمية الأولى أن تفتح جبهة مناوشات مع الإنجليز على الحدود المصرية ، كجزء من المجهود الحربي ضد بريطانيا. ومن هنا جاء تأييدها للباروني في طرابلس والسيد أحمد الشريف في برقة. وسرعان ما بعث الباروني برسالة الى الأعيان يبلغهم قرار السلطان بإعادة ضم ليبيا الى الخلافة. والقرار شكلى وغير فعال ، مهما كانت عواطف الذين أصدروه. ثم انتقل الباروني إلى العزيزية حيث وجد الشيخ سوف وزملاءه.

في نفس السنة جاء من اجدابيا الى مصراته أيضا (سبتمبر 1916) ، الضابط التركى نورى بك والشاب المصري المتحمس عبد الرحمن عزام. وصاحَبَ هذه التطورات وصول إمدادات تركية من سلاح وأدوية ودراجات وأموال بالمجيدى (عملة فضية عثمانية)[iv]. وقد أضفى وجود هؤلاء الشباب ذوى النزعة العصرية، أضفى على حكومة مصراته، طابعا متميزا ومثيرا. فأنشئت مدرسة عسكرية ومصنع لحدادة الأسلحة وإصلاحها ، وملء الخرطوش وصناعة الأحزمة الجلدية.



قيادة الشيخ سوف

قبل التطورات التي ذكرناها ، كان الشيخ سوف المحمودي ، حفيد غومة الشهير ، قد عاد من المهجر عن طريق مصر ، ومر على السيد أحمد الشريف الأب الروحي للجهاد في برقة آنذاك. وأصدر أحمد الشريف بصفته نائبًا للسلطان العثماني في ليبيا ، قرارًا بتعيين الشيخ سوف وكيلا له في طرابلس.

واستقر الشيخ سوف فى العزيزية ومن هناك عيّن هيئة إدارية وقادة للمجاهدين ومتصرفين للمناطق[v].

وبدأ سوف يتحرك كرئيس حكومة وطنية. ثم سافر الى زواره لمنع سلطان بن شعبان ، زعيم زواره من التعاون مع الطليان والسماح لهم بدخول المدينة. كما انفصل ساسى خزام ، من أعيان بربر الجبل ، عن المجاهدين وانضم الى بن شعبان. فجهز الشيخ سوف جيشا من العزيزية ، وجهز خليفة بن عسكر جيشا من نالوت ، وجاء جماعة من أولاد بوسيف من الجنوب .. وأطبقوا على ساسى ومن معه فى يفرن .. وأخذ ساسى حيا ثم قتل رميا بالرصاص.

وهكذا تصرف الشيخ سوف وأعوانه كحكومة وطنية ، فوق الصراعات والمصالح القبلية أو الجهوية أو الخاصة محاولا تجميع ودعم قيادات الجهاد المتـناثرة!

الجمهـــورية

فى اكتوبر 1918 وقعت تركيا معاهدة الصلح مع دول أوروبا ، وبالتالى أقرت بهزيمتها فى الحرب العالمية الأولى وتخلت نهائيا عن ليبيا. وبعد ذلك مباشرة ، وبالتحديد في 16 نوفمبر 1918 ، عقد قادة الجهاد فى طرابلس مؤتمرا بمسجد المجابرة فى مسلاته، وأعلنوا تأسيس الجمهورية الطرابلسية.

وجاءت فكرة تأسيس الجمهورية كرد فعل منطقى لهزيمة تركيا وتخليها ، والتى كان يمثلها آنذاك الأمير عثمان المقيم فى مصراتة. ويقول الشيخ الطاهر الزاوى أن الفكرة تكونت أثناء نقاش ضم رمضان والبارونى والأمير وعزام ، ومختار كعبار الذى كان فى زيارة لمصراته[vi].

وتم اختيار " أعضاء الجمهورية " ( = مجلس الرئاسة) من رمضان السويحلى وسليمان البارونى وأحمد المريض وعبد النبى بلخير. كما تم اختيار مجلس شورى الجمهورية[vii] برئاسة الشيخ سوف ، روعى فيه تمثيل جميع القبائل. وتم تعيين مجلس شرعى من أربعة علماء. وأخيرا، بعثَ مجلس الجمهورية ببلاغات يطلب الاعتراف بها ، الى السلطات الإيطالية (التى رفضت الاعتراف) وإلى رؤساء الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. كما تم تعيين عبد القادر الغنـّاى* قائدا لجيوش الجمهورية وجعل مقره الزاوية. وكان الغناي ضـابطا متخـرجا يحمل رتبـة عالية فى الجيش التركي، سرعان ما تخلّى عن الجمهورية.

لنا أن نفخر بأن الجمهورية الطرابلسية كانت أول جمهورية في التاريخ العربي الحديث. لكن لا يجب أن يأخذنا الحماس العاطفي بعيدا. وعلينا أن نكون موضوعيين. فالجمهورية لم تدم لأكثر من سبعة أشهر. فلماذا ؟ وقد رأى أعضاء الرئاسة الأربعة، أن يقيم كل واحد منهم فى منطقته ، بحجة أن ذلك ما تستدعيه حالة الحرب مع ايطاليا .

وهكذا كانت الجمهورية مجرد عنوان جديد ، للتحالف القديم والعفوي بين زعماء الدواخل في طرابلس . ولم تصل الجمهورية أبدا الى مستوى الدولة المؤسسية، وإنما كانت حلما لم يستوعبه الواقع.



صلح سوانى بن يادم

بعد انتهاء الحرب العالمية وبالتحديد في سنة 1919 ، بدأ السياسيون الطليان يضغطون للتفاهم مع قادة الجهاد بالنظر لعجز العسكريين عن قمع المقاومة الوطنية ، وبالطبع من أجل التغلغل وبسط النفوذ الإيطالي على كامل التراب الليبى.




وهكذا التقى وفد إيطالى مع الصويعى الخيتونى ومحمد فكينى وعلى بن تنتوش ، فى خلة الزيتون بدءًا من مارس 1919. وتم الوصول الى اتفاق مبدئى بعد حوالى الشهر (صلح بن يادم). وبناء على هذا الصلح أصدر ملك ايطاليا ، فى 1 يونيو 1919 ، مرسوما بالقانون الأساسي للقطر الطرابلسي يمنح حق الجنسية الإيطالية (تشيتادينسا) لليبـيين أو الطليان المسلمين ، ويسمح بتكوين مجلس نواب محلى ذى صبغة استشارية ، ينتخبه أهل البلاد. وتقرر أن يكون فى كل متصرفية ضابط اتصال إيطالي بجانب زعماء المناطق العرب. وتم تعيين ثمانية رؤساء دوائر عرب( أعضاء حكومة) بقرار من الوالى الإيطالي ، بناء على ترشيحات زعماء المجاهدين. وكان هؤلاء الثمانية أو أعضاء حكومة طرابلس هم: عمر بودبوس، أحمد الفسطاوى، مختار
كعبار، أحمد اشتيوى السويحلى، محمد الصويعى، على الشنطة، محمد فكينى ومحمد الفقيه حسن.



ونظـّم الطليان مهرجانا للاحتفال بالصلح ، بدخول حوالي 600 فارس من أنصار الزعماء إلى عاصمة القطر. وقابلت الناس صلح بنيادم وصدور القانون الأساسى بفرح واستبشار ، ظهرَا بوضوح فى استقبال أهالى طرابلس للفرسان الذين "… دخلوا المدينة بين زغاريد النساء … مطلاّت من قلاليات أو شـُرَف المنازل يرددن :

ينصر جيش الجمهورية /

اللى خلا ّ الطليان رعيه " .

وعمليا أدى الصلح وصدورالقانون الأساسي (1/6/1919) الى حلّ الجمهورية تلقائيا، فقام زعماء الحركة الوطنية بتأسيس حزب الإصلاح الوطني وأسندوا رئاسته الى أحمد بك المريض، وأنشئت جريدة اللواء الطرابلسي لتكون لسان حال الحزب.

اللــواء الطرابلسي

يمثل صدور صحيفة اللواء الطرابلسي ، في اعتقادي ، واحدة من أروع معالم التاريخ الليبي في النصف الأول من القرن العشرين. نعم صدرت في حقبة استعمارية ، لكنها أفصحت دائما عن روح مقاومـِة للاستعمار ، وتشبث بحب الوطن وكرامته ، وتطلع دائم للحرية. وظل اللواء يصدر أسبوعيا ، لمدة عامين ونصف تقريبا (من أكتوبر 1919 إلى مارس 1922) ، في ما مجموعه 94 عددًا ، كل عدد من أربع صفحات. واعتمدت اللواء في تمويلها على تبرعات أعيان القطر الطرابلسي[viii].




وتولى رئاسة تحرير اللواء عثمان القيزاني ، من مواليد طرابلس والمسلاتي الأصل ، والذي أختير من قبل مؤتمر غريان لعضوية الوفد الليبي لشرح القضية الوطنية في إيطاليا. لكن السلطات الإيطالية منعته من السفر. وبعد إغلاق اللواء هاجر إلى تركيا وبقي فيها إلى أن وافاه الأجل سنة 1939.وشكلت اللواء صوتا مهادنا تارة وغاضبا تارة أخرى ، في ظروف شديدة القسوة. وحاولت في مقالاتها الافتتاحية طرح مطالب الشعب ، وبالطبع في سياق الممكن وبمواجهة السلطة الإيطالية بتعهداتها .. أي بالتشبث بتطبيق القانون الأساسي ومنح الطرف الطرابلسي حق المشاركة الفعلية في إدارة إقليم طرابلس.



كانت اللواء تنشر القصائد الشعرية والمقالات الوعظية. ولكن مجرد صدورها بالعربية كان إنجازا هاما. كما كانت تنقل أخبارا محلية ودولية ، وتنشر مقالات لإيطاليين متعاطفين مع القضية الليبية وإن في إطار دستوري ، مطالبين بتطبيق القانون الأساسي الذي وقعته الحكومة الإيطالية مع زعامات طرابلس.

وقاست اللواء من الرقابة ، وتوقفت بسببها لمدة شهرين ونصف. لكن ذلك لم يمنع الصحيفة من التنديد بالرقابة (في العدد 37) ووصفها بأنها ’’ شجرة لا تنمو إلا في أرض الخوف‘‘.

الإرتـبــاك

وعلى أية حال لم تستطع الحكومة التي تشكلت بعد صلح بنيادم أن تنفذ قراراتها لأنها كانت حكومة شكلية سواء نتيجة الإطار الذي وضعته السلطة الإيطالية أو نتيجة استقلالية الزعماء وقلة خبرتهم بأمور الدولة الحديثة.

كانت حقبة محزنة وعنها قال الباروني في مـقـالـة له نـشـرتها صـحـيـفـة اللــواء الطرابلسي، إن أعضاء الحكومة : ’’ .. لبثوا بعد تصديق القانون الأساسي .. فى فندق بن غشير خارج مركز الولاية… وانشغلوا بعزل بعض المأمورين .. وتعيين آخرين وإصدار الأوامر بأسمائهم وجباية الأموال من الأهالى.. والأعشار الشرعية ، ومجازاة ومحاكمة الأهالى … وترفيع الضباط‘‘[ix].

ولم يكن الرضى عن صلح بنيادم عاما، ونستطيع ان نسبر مؤشرات الرأى العام من خلال ما راج من شعر شعبى. فبعد الصلح قال المجاهد سوف مستبشرًا:

هالـــتاو وَان القـول ، و نا نـقـوله،

علىْ ناس فكت وطِــنها من دولـه

لكن مراوغات الطليان وتنصلهم بدأ يتضح ، وعمليا جمـّدوا الاتفاق بينهم وبين الزعماء ، وحينها ردّ الشاعر أحمد بن دلـّه:

بعد نْ حرثنا وبعد ما صيّبنا

عند لحصاد فيه ناضت غوله

وفيما بعد راودت المجاهد سوف نفسه ، شكوكا حول ما تـمّ ، فقال:

بعدنْ طمعنا بالخلا ص إخلصنا

جىْ فانـكــو فى فانـكـو خـلبصنا

نزف الدّم

لكن المأساة كانت أكبر من مجرد اتفاقيات سياسية ولدت ميتـة في أحابيل السلطة الإيطالية. فخلال عام ونصف من توقيع صلح بنيادم ، شهدت طرابلس أبشع حربين أهليين: حرب السويحلى ضد عبد النبى بلخير، وحرب الزنتان والرجبان مع البربر فى الجبل الغربى (1916-1919).

وقد يصعب إلى يومنا هذا فهم دوافعها، ولذلك أوعزها بعض معاصريها الى دسائس المستعمر وأعوانه ، وربما يجاريهم بعض المعاصرين. ولعل الطليان كانوا عاملا مشجعا، لكن تفاصيل ما حدث كانت وليدة تحيزات متخلفة وعواطف معتمة وثقافة مظلمة. لا شك أن التدخل الايطالى لعب دوره فى إذكاء الفتن ، من باب فرق تسد ، مستغلا العواطف والمصالح المتضاربة ... لكن الشكوك وجذور الفتنة والاصرار على الثأر كانت قاطنة فى النفوس والثقافة القبلية السائدة آنذاك. ورافق ذلك الاقتتال كل ما عرفته الحروب البدائية من حرق وتخريب وسلب ونهب . . حرب تجرّد فيها الانسان من كل عاطفة وإحساس ،وعصفت بحقوق الجوار، وأوامر الدين[x]. وتفاقمت الشقاقات وبلغت ذروتها في هجوم السويحلي على عبد النبى بلخير فى بنى وليد ، صباح يوم عيد الأضحى 24 أغسطس 1920[xi]. وهناك لقي السويحلي منيته.

لكن روح الخير والعقل لم تغب. وخلال أسابيع ، في اكتوبر 1920 ، التقى بعض المشائخ فى العزيزية ، وقرروا تشكيل وفد للمصالحة بين أطراف النزاع فى الجبل ، كما قرروا الدعوة إلى اجتماع في غريان.

السراب الأخير

انعقد مؤتمر غريان[xii] فى نوفمبر عام 1920. وحضره عشرون من مشائخ القبائل والجهات في دواخل طرابلس. وكان أبرز الغائبين عنه الشيخ سليمان البارونى. واستمرانعقاد المؤتمر15 يوما. واتخذ مؤتمر غريان عدة قرارات أهمها تشكيل هيئة الإصلاح المركزية من 12 عضوا ، برئاسة أحمد بك المريض.

كما طرح المؤتمر فكرة توحيد الجهاد وراء زعامة قائد واحد ، وقرر إرسال وفد الى روما لشرح القضية الليبية للمسؤلين وللرأى العام فى ايطاليا، وكان هذا الوفد برئاسة محمد فرحات الزاوى. وبقى الوفد فى ايطاليا لمدة تسعة أشهر، ولم يحقق شيئا فعليا.

فى يناير 1922 انعقد اجتماع فى قصر سرت حضره ممثلون عن هيئة الاصلاح المركزية فى طرابلس وممثلون عن إمارة برقة. وكان الغرض من الاجتماع تصفية الأجواء بين القطرين ، ووقـّع المجتمعون تعاهدا جاء فيه التأكيد على: ".. إتفاق القطر الطرابلسي والبرقاوي على الاتحاد والتعاون فى السراء والضراء ... أن نوحد كلمتنا ضد عدونا الغاصب لبلادنا ... إن مصلحة الوطن تقضى بتوحيد الزعامة فى البلاد.."[xiii].

ولكن ما نيل الأمانى بالتمنى … وقد تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن ! فبعد خمسة أيام من توقيع تلك الوثيقة ، وبالتحديد فى 26 يناير 1922، احتل الطليان قصر حمد (او مصراته البحرية عند الايطاليين)، بالإنزال البحرى ، مدشنين بذلك حرب الاسترداد ، أى الخروج من الشريط الساحلى لبسط نفوذهم على كامل التراب الليبى. ومع ذلك ، ومن باب التمويه ، دعى الطليان إلى هدنة ، ومفاوضات أجريت فى فندق الشريف بطرابلس ( مارس 1922) لكنها سرعان ما وصلت الى طريق مسدود[xiv]. واستأنف الطليان العمليات العسكرية باحتلال الزاوية (25 أبريل 1922) ثم العزيزية (30 ابريل 1922). وفي ديسمبر 1922 وصلت جحافل التوسع الايطالى لتحتل اجدابيا وتنهي ما عرف بإمارة برقة هناك.

حرب الاسترداد

تلك كانت حرب الاسترداد التي نفذها والى ليبيا الجديد، والاستعماري العنيد ، الكونت فولبي Volpi ، من باب السيطرة على كامل التراب الليبى. وكان الشعار الذي رفعه فولبى أن وجود إيطاليا يكون ".. لا بالزعماء ، ولا ضدهم ، ولكن بدونهم .." ، رافضا بذلك مبدأ التعامل مع الزعامات المحلية. واستمدت هذه السياسة الجديدة قوتها من صعود الحزب الفاشستى الى السلطة فى روما. فكانت حملة الاسترداد شرسة ، استخدمت فيها الطائرات للاستطلاع والقصف ، كما استعملت فيها المدفعية الثقيلة لتشتيت تجمعات المجاهدين العارية من أى غطاء … ولذلك كانت نتائجها محسومة أصلا، وكان تصدى أهلنا قائما على الاستجابات العفوية والإيمان البسيط ، وليس على الحسابات الإستراتيجية أو تكتيك الحرب التقنية التى كانوا يجهلونها.

وكان الهجوم الأول، كما ذكرنا، على ميناء قصر أحمد (مصراتة البحرية فى المصادر الإيطالية) فى بداية فبراير 1922 ، ورغم بدايته المفاجئة إلا أن الهجوم قوبل بمقاومة بطولية ، قادها سعدون السويحلى (الذي استشهد بمعركة المشرك) ، وكان من أشهر شهدائها عبد العاطي الجرم. وتوالى التوسع الإيطالي فى دواخل طرابلس وبرقة دون توقف[xv].

لكن مرحلة أخرى مختلفة من الجهاد الليبى، بدأت فى الجبل الأخضر، بقيادة الشهيد عمر المختار ، استمرت إلى عام 1931.

ورغم بقاء الجمهورية بؤرة مضيئة فى تاريخنا الوطنى تنشدّ اليها ذاكرتنا الجماعية ، لكن لا يجب أن ننسى كلمات الباروني عن الجوانب المظلمة فى مسار حركة المقاومة حين ذكر في إحدى رسائله:

’’ الذين باعدوا بين المتقاربين فطمسوا آثار وطنيتنا ..

وتركونا مشتتين في الأقطار ، حتى كدنا ننسى ذكر بعضنا (إلا بسوء)‘‘.

تلك هي الصورة المحزنة التي يجب ألا تغيب عن ذاكرة الأجيال، فالشقاق هو وليد الولاءات القبلية والجهوية والطائفية .. كما أن تلك الرؤى الضيقة المتخلفة لا تصنع الأمجاد بل تجهضها .. وتصبغ ذكراها بطعم المرارة.

__________
* للوصول إلى كافة الحلقات ومقالات وكتب اخرى للدكتور محمد المفتي اضغط هنـــــــــــــــــــــا

[i] انظـر أسـمـاء القادة ، ص 208 من كتاب جـهـاد الأبطـال ، للمـؤرخ المـرحـوم الشـيخ الطـاهـر الزاوى.

[ii] ص 236، كتاب جـهـاد الأبطـال.

[iii] جهـاد الأبطال/ ص 296- 300.

[iv] جـهـاد الأبطال، ص 301

[v] ص 232 - 233 من جـهـاد الأبـطـــال.

[vi] عمـن اقـتـرح تأسـيـس الجـمـهـوريـة ، ويـبـدو ان أقـدم ذكـر للـفـكـرة، جـاء على لســان الشـيـخ فـرحـات الـزاوى ، انظر دراسـة بـعـنـوان الجـمـهـوريـة الطـرابلسـيـة ، للأســتاذ عـمـرو ســعـيـد يـغــنى، مـجـلـة الشـهـيـد، ص 36 - 58.

[vii] أسـمـاء أعـضـاء مجلس الشـورى، ص 324 - 325 من كتاب جـهـاد الأبطال للشـيـخ الطاهـر الزاوى.

[viii] انظر أطروحة لنيل الماجستير بعنوان "صحيفة اللواء الطرابلسي" ، للأستاذة فتحية الخير حمدو رحومة، جامعة الفاتح ، طرابلس ، 2002.

[ix] انـظـر كتاب خليفة بن عـسـكـر للـقـشـاط، ص 141 - 145 .

[x] ص 408 - 410 ، كتاب جـهـاد الأبطـال للشـيـخ الطاهـر الزاوى. انظر أيضا كتاب المؤلف "الوطن الذي يسكننا" ، مطبوعات دار عراجين ، القاهرة ، 2007.

[xi] انـظـر ص 125 - 148 من كتاب عـبد النبى بلخـيـر ، تأليـف مـحـمـد المرزوقى، الدار الـعـربيـة للكـتاب، تـونـس، 1978. وكـذلك كتاب جـهـاد الأبطـال للشـيـخ الطاهـر الزاوى ، ص 397 - 403. وأيضا ص237-249 من كتاب "رمضان السويحلي .. البطل الليبي" ، تأليف محمد مسعود فشيكة، دار الفرجاني ، طرابلس، 1974.

[xii] انـظـر أسـمـاء أصـحـاب المـبـادرة المجـتمـعـين فى الـعـزيـزيـة، ص 419-425، من كتاب جـهـاد الأبطـال للشـيـخ الطاهـر الزاوى. ومـذكـرات عون سوف من إعـداد مـحـمـد القـشـاط، منـشـورات دار المـلـتـقى ، بيروت ، 1998.

[xiii] أسـمـاء الحـاضـرين والـقـرارات، ص 430 - 433 ، كتاب جهاد الأبطال.

[xiv] ص 440 - 443 ، كتاب جهاد الأبطال.

[xv] انـظـر تـفـاصـيـل حـرب الاســتـعـادة ، فى كتـاب بـعـد الـقـرضـابيـة: طـرابلس الـغـرب 1922 – 1930 للأســتاذ خـليـفـة التـليـسى، مـنـشــورات دار الثـقـافـة، 1973. وعن بطولة سعدون ، كتاب سعدون للأستاذ علي مصطفى المصراتي. وأيضا ص 280 – 294 من كتاب رمضان السويحلي ، تأليف المؤرخ محمد مسعود فشيكة ،مكتبة الفرجاني ، 1974.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الخميس 06 أكتوبر 2011, 09:41

الأيام الطرابلسية (الحلقة الثامنة): ايام العشرينيات




د. محمد محمد المفتي


منذ بداية استقرار الطليان في مدن الساحل ورغم بقاء سيطرتهم على الدواخل غير كاملة أو غير مستقرة ، فقد ركزوا على تطوير مدينة طرابلس وإعطائها طابع المدينة الأوروبية بما يليق وأحلامهم الإمبراطورية. وتم ذلك بوتيرة في زمن الكونت فولبي الذي عين واليا على طرابلس في منتصف 1921 وقام بشن ما سمي بحرب الاسترداد ، فبسط سيطرة الطليان على إقليم طرابلس.

فـولبي .. كونت مصراته ؟

كان جوسيبي فـولبى ثريا وآرستقراطيا ، من أبناء مدينة البندقية. وإضافة إلى حسه الاستعماري الشرس ، فقد لعب دورا مركزيا في النظام الفاشي الذي أقامه موسيليني بل هناك من يذهب إلى القول أنه لعب الدور الأساسي كممثل للشركات والقوى السياسية البندقية ، في صعود موسيليني إلى سدة الحكم.

وشخصية الرجل فولبي ، مغلفة بشتى القصص التي تقترب من الخيال ، من حيث أنه عمل من خلال شبكة الصلات الأسرية والمالية للقوى الحاكمة في البندقية والتي تعود بداياتها إلى القرن الخامس عشر. ففي بداية القرن العشرين كان أحد مُلاك شركة في الامبراطورية العثمانية ، وكان أحد أعوانه ممثل إيطاليا في مجلس الديون العثماني الذي ساهم في نزف ثروات تلك الإمبراطورية تمهيدا لتقسيمها. والأرجح أن فولبي كان آنذاك عميلا للمخابرات الإيطالية في تركيا ، سواء لجمع المعلومات عن الوجود العسكري العثماني في ليبيا ، أو لكسب أنصار للمشروع الإيطالي باحتلال البلاد ، وأخيرا للإطاحة بالسلطان[1].

وبعد فترة حكمه لطرابلس ، منح فولبي لقب كونت مصراتة Count Giuseppe Volpi di Misurata. ثم عمل في نظام موسيليني ، كمسؤل عن الشئون المالية ، أولا كوزير للمالية ( 1925 – 1928) ، ثم كعضو في مجلس الفاشية الأكبر ، ثم كرئيس لجمعية رجال الصناعة. ومن هذا الموقع صاغ برنامج موسيليني الاقتصادي. وفي تلك الفترة ، في عام 1929 ، نجح في تحقيق الوفاق بين الدولة الإيطالية والفاتيكان ، واعتراف إيطاليا بالأخيرة كدولة ذات سيادة.

التحديث المعمـاري

إبان فترة حكمهم الأولي ، حوّل الإيطاليون المنطقة المجاورة للسراي إلى ميدان إيطاليا ( فيما بعد الاستقلال ميدان الشهداء ، ثم الآن الساحة الخضراء ) ، تطل عليه عمارات بنك روما والولاية بأقواسها العالية والممرات المسقوفة.











واستكمل المظهر المعماري بتحويل شارع الشط إلى طريق الكورنيش الذي شيد في زمن الوالي فولبي ، لتطل عليه في ما بعد مجموعة من المباني الفخمة التي جمعت بين المعمار الحديث وجماليات البيئة الليبية ، مثل مسرح الميرامار والفندق الكبير والودان ونافورة الغزالة والحدائق[2]. وعلى محور شارع العزيزية في العصر التركي ، أقيمت سلسلة من المباني الرومانسية بما فيها الرواق أو الجلاريا ، لينتهي عند قصر الوالي بقبابه الشرقية. ونال معمار طرابلس نقاشا واسعا في أوساط المهندسين الطليان ، بإصرار على الالتزام بنمط هندسي " يؤكد هيبة الامبراطورية الإيطالية".






رافق هذا التوسع والتحديث العمراني ، ارتفاع في عدد سكان المدينة من حوالي 30 ألف نسمة سنة الاحتلال (1911) إلى 81 ألف سنة 1931 ، إلى 113 ألف سنة 1940. والأهم من ذلك أن عدد سكانها الليبيين انخفض من 70% سنة 1911 إلى 41% في سنة 1940 ، وذلك طبعا نتيجة سياسة الاستيطان الإيطالية[3].



وستعود هذه النسبة إلى وضعها الطبيعي بعد الحرب ، نتيجة مغادرة كثير من الطليان ، وعودة المهاجرين من الخارج ، ونزوح كثير من أبناء الدواخل بحثا عن العمل.

وحديثا شهدت طرابلس على المستوى المعماري ، توسعا هائلا لاستيعاب تعدادها الذي ربما تجاوز المليون نسمة الآن. وتعكس المشاريع الإسكانية توظيف تقنيات البناء الحديثة لخدمة احتياجات الأسرة الليبية. وقد شيدت مباني ذات قيمة جمالية استثنائية مثل أبراج ذات العماد ، والفاتح وفندق كورينثيا.

معمار المرحلة الإيطالية يبقى حقبة معمارية متميزة وركيزة جمالية تمنح مدينة طرابلس تناسقها وطابعها الخاص. ولنا أن نسأل مهندسينا والقائمين على تعمير المدينة لماذا تبقى العمارات الجديدة مجرد مكعبات خراسانية مجوفة دون طراز أو جمال ؟ .. هذا بالطبع باستثناء العمارات الضخمة المعدودة. ولعدم الاهتمام بالجانب الجمالي للمباني أسباب ، منها بخل صاحب المبنى أو جهله وعدم استعداده للتضحية مثلا بجزء من الأرض كأرصفة مسقوفة ، وتواطؤ المهندس ، ولكن الأهم غياب تشريعات بلدية لخلق طابع معماري مميز للمدينة ، من ذلك مثلا جعل نظام الأقواس كجزء إلزامي من المبني لتسقيف الأرصفة لحماية المشاة من لفح الشمس وشدة المطر.. وإضفاء قيمة جمالية. بل إن المشاريع الإسكانية العامة تبقى دون مساحات مشجرة أو حدائق بين المباني.





[1] ص 94-99 من كتاب تاريخ ليبيا ، تأليف بروشين ، ترجمة د. عماد حاتم ، مطبوعات مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية ، 2005.

[2] التطور العمراني والمعماري في ليبيا من 1835 إلى 1950 ، للمهندس علي الميلودي عمورة ، ص 905-993 ، من كتاب المجتمع الليبي ، تحرير د. محمد الطاهر الجراري ، مطبوعات مركز جهاد الليبيين ، 2005.

[3] المهندس علي الميلودي عمورة ، ص 971 ، من كتاب المجتمع الليبي.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الخميس 06 أكتوبر 2011, 09:42

الأيام الطرابلسية (الحلقة التاسعة): ايام بالبو



د. محمد محمد المفتي


لقد كان الاستعمار الإيطالي موجة غاشمة من العنف والجشع ، قتل عشرات الألوف في معارك استخدم فيها أحدث آليات الحرب ضد شعب شبه أعزل ، ومارس أبشع أشكال الإنتقام من خلال المحاكم العشوائية وشنق الآلاف في الميادين و القري ، واقتلع الليبيين من أراضيهم وملـّكها للمستوطنين ، ونفى الآلاف الى جزر ايطاليا ، وأرغم أكثر من ربع مليون على الهجرة وجعلهم بلغة اليوم لاجئين في الأقطار المجاورة.

لكن علاقة الطليان بليبيا – المكان ، شئ آخر. فقد بلغ عشق الإيطاليين لطرابلس حد الهوس. وهنا أعني القيادات الإيطالية ورجال الصحافة ناهيك عمن استقر بطرابلس البيضاء كما كانوا يسمونها. بالغوا في وصفها وفي الحديث عن مواردها وامكانياتها وبالتالي جمالها. الأكيد أن بعض العقلاء رأوا محدودية الإمكانيات في وجه أي تضخم سكاني ، خاصة وأن البترول لم يكن قد اكتشف. فلماذا كان ذلك الهوس ؟ كان وليد الحلم الإمبراطوري ، مثلما فعل الفرنسيون في الجزائر. المهم هو ما ترتب على ذلك الهوس ، ألا وهو المبالغة في تجميل طرابلس بالذات ، لتصبح قطعة من إيطاليا .. مدينة الشاطئ الرابع. ومع الجمال المعماري ، كانت هناك أيضا صرامة القانون الحضري الذي بدونه تمسي أي مدينة مستوطنة تعج بالفوضى وأكداس الفضلات !

وأستعيد في ذاكرتي الآن ، حديث أحد أبناء طرابلس قبل قرابة أربعين سنة ، وكان موظفا عالي الدرجة. حينها كنت شابا متأججا بالحماس الوطني والعروبي .. حادا وقاطعا في أحكامي. قناعات تبدو مضحكة اليوم بعد ما رأينا منذ نكسة 1967 إلى مستنقع العراق اليوم واقتتال الإخوة في فلسطين. قال صاحبي ، رحمه الله ، ’’ إنتوا تنتقدوا في كل شئ . هل هذا يعني إنتوا صح ؟ آني نحب ليبيا ، زيْ ما تحبها إنت. لاكن اللي آني نعرفه إنت ما ريتاش. إنتوا ديما تحكوا ع الجهاد. وتشتموا في الاستعمار الإيطالي. خلينا من قصة الجهاد ، لأني آني لما كنت في عمرك ، كان الجهاد انتهى. وليبيا كان يحكمها بالبو .. المارشال بالبو كان قوة . كانت فيه دولة. قانون ونظام .. رونق. أمـّاله ! .. وكل الليبيين مطيعين. موش عيب. كانت دولة. المهم. عشنا مع الطليان. وعلـّمونا. وخدمنا معاهم. والطليان كانوا بشر. فيهم المتغطرس وفيهم الأهبل طبعا. وفيهم المتعلم وصاحب الشركة ومولى الدكان والمحامي والطبيب والمدرس والعامل في ورشة. والفلاح الشيشلياني البسيط. لكن كان فيه نظام. حقك تاخذه. وإذا كنت شاطر وتبي تتعلم تلقى من يساعدك. راه كانوا فيه حتى طليان معارضين لموسيليني. ومعظم الليبيين كانوا في حالهم. وطرابلس بالذات واخذه من قبل على الحكومات الغاشمة والأجنبية. وما تنساش كان فيه ليبيين ، شوية صحيح ، لكن حشاك ..‘‘.

وأذكر أيضا .. كيف تقبلت حديثه بصمت من باب الاحترام، بحكم فارق السن آنذاك .. ولكن في حيرة مزيجها الغضب والشك.. فلماذا لا يكون على حق ؟

عندما أغارت ايطاليا على مدينة طرابلس في سنة 1911 كان ببلديتها مجلس بلدي قائم يرأسه حسونة باشا القره مانلي. وأول عمل قامت به السلطات الإيطالية هو إعادة تثبيت حسونة باشا في منصبه , لتستمر البلدية في أداء مهمتها[i].

ومع السنين ارتفع عدد سكان طرابلس تدريجيا بوفود الطليان ، من عسكر وإداريين ومستوطنين. تغيرت الإدارات والنظم ، ورصفت الطرق وأنيرت ، ودخلت السيارة والهاتف. كل هذه التحولات تجعلنا ننظر إلى الجوانب الغير عسكرية للاستعمار الإيطالي لأنه حمل في ثناياه تفاعلا ثقافيا عميقا على الأقل في المدن وخاصة طرابلس .. رغم ما انطوى عليه من حروب وتهجير واستيلاء على الأراضي.

لقد جاءت ايطاليا ومعها وسائل ومنتجات الحضارة الحديثة من سلاح ووسائل اتصال وكهرباء، وتقنيات بناء حديثة ، ونظم إدارية مثل مؤسسات الدولة وبريد وشرطة وخدمات صحة عامة (توصيل مياه الشرب ونظم الصرف الصحي وخدمات صحية ورقابة بلدية على الأسواق). ولا جدل في أن مجئ الطليان وما حملوه من مستحدثات (حتى المدمر منها وهو الغالب) ، قد ترك أثره في حياة مجتمعنا.

وإن بقي معظم سكان البلاد يواجهون المهانة كمواطنين من الدرجة الثانية ، لكنهم اضطروا للتكيف مع الواقع الجديد ، مع النظام السياسي والإداري والوجود الإيطالي عموما ، كما هى سُـنّة الحياة. فظهرت شرائح جديدة من الحرفـيين ، خاصة وأن الحكومة الإيطالية أبدت اهتماما بإنشاء المدارس المهنية المتوسطة. كما ظهر موظفون وخدم ومخبرون وضابطية وكرابنيري ، وكبار ضباط. وواستعانت القوات الإيطالية بأعداد كبيرة من الليبيين إما كمجندين أو كقوات مساندة على هيئة كتائب سمّيت بالمحلات أو كفرق مرتزقة أو بندات مثل بندة عاكف التي إقتلعت سكان الجبل الأخضر وساقتهم الى معسكرات الإبادة .

وتجند الليبيون لحرب الحبشة ، وأخيرا في الاحتياطي الذي استدعي للمشاركة في الهجوم على الحدود المصرية مع اندلاع الحرب العالمية. كما قررت ايطاليا منح الليبيين الجنسية (ايطاليين مسلمين) ، وهو اعتراف بالمشاركة بدلا من الإزاحة.

وفي الحرب العالمية الثانية جند الإيطاليون الشباب الليبي ، وانتهى الأمر بهم أسرى لدي الجيش الإنجليزي في سيدي براني ، إثر الهجوم الإيطالي على الحدود المصرية.




كما ظهر في عهد الاستعمار الإيطالي متعاونون وأعيان جدد ، منهم من حصل على لقب ’’غراند كاوليري‘‘ أو الفارس الكبير. وهؤلاء كانوا مدفوعين بعواطف المصلحة الشخصية والانتهازية في الغالب ، وربما بسبب ما رآه الواحد منهم مصلحة قبيلته خاصة طلبا للحماية أو إستقواء على قبائل مجاورة ومعادية. وهناك من كان تعامله مع الطليان أقرب الى الرغبة في الإنتقام الشخصي ، أو حتى نزوعا مرضيا إجراميا.

لكن كانت هناك قلة رأت التعامل مع الطليان من باب الإعتراف بالواقع ، بل ومنهم من دعى الى التعامل مع الطليان تطبيقا لمبدأ طاعة أولي الأمر. وآخرون رأوا ضرورة الاسـتـفادة من الظرف القائم ، من أجل بناء أجيال جديدة قادرة على التعامل مع العالم الحديث … من أجل الوطن على المدي البعيد ، ولعل فئة المعلمين وبعض المثقفين وكثير من رجال الدين بالمحاكم الشرعية وإدارات الأوقاف ، تستحق اعترافنا لها بهذا الموقف العملي والبعيد النظر. ولا ننسي أن هؤلاء كانوا عموما من الشباب ، أي الذين تفتح وعيهم في الثلاثينيات ، بعد توقف حركة المقاومة .

كل هذه الجوانب لم تحظ بعد بدراسة المؤرخين، من أجل توثيقها وتتبع آثارها. ولعل الجهد الهائل والتوثيقي الذي استدعته دراسات الجهاد قد أخّر الخوض فى الجوانب الثقافية والمدنية التي ميزت حقبة الإستعمار الإيطالي. لكن هذه الجوانب لا تقل أهمية عن دراسة معارك الجهاد، حتى وإن كانت ظواهر أقل نبلا بالتأكيد. وهي تستمد أهميتها من كونها ترتبط بحياة وقيم وسلوك أغلبية الناس وهؤلاء هم من بقوا في مدنهم وواحاتهم ومزارعهم ، شبه أسري وبالتأكيد مواطنين من الدرجة الثانية. لقد عاش الليبيون جنبا إلى جنب مع الطليان ، وتعاملوا معهم على مستويات عدة ، وكان لذلك آثاره العميقة في سلوكيات الناس. وهكذا تبنى كثير من الليبيين الزي الأوروبي ، وبعض أطعمة الطليان وأهمها المكرونة ، وعددا هائلا من المفردات الإيطالية التي ليّـبَت خاصة تلك امنتعلقة بالآلات والألعاب والمناصب. ولاننسى أن الطليان حرصوا على احترام الدين الإسلامي وشعائره ، بالتأكيد من باب استمالة الناس وعدم استفزاز عواطفهم الدينية العميقة. وقد بلغت درجة التثاقف بين المجتمع الليبي والجالية الإيطالية ذروتها في زمن إيتالو بالبو حاكم ليبيا في عقد الثلاثينيات.

من هو بـا لـبــــو ؟

إتالو بالبو (1896-1940)، الطيار والنجم الجماهيري ، شغل منصب حاكم ليبيا خلال الفترة من 1933 إلى بداية الحرب سنة 1940 ، إلى وفاته. كان ذكيا ، وسيما ، ذي شخصية استعراضية كاريزمية ، أقرب إلى شخصية ممثلي السينما. كما كانت له آراء مستقلة .. مما أثار حفيظة شتى الجنرالات والمسئولين الطليان ، وربما غيرة زعيمه موسيليني نفسه.





بيد أن بالبو في مقتبل عمره ، لم يوظف ملكاته للخير أو المصالحة .. بل سخرها للعنف والتطرف والقتل الجماعي. وحين زحف الفاشيون ذوي القمصان السوداء على روما ، كان بالبو أحد القادة الأربع للمسيرة .. التي دخلت روما دون أن توقفهم الشرطة ، بفضل تواطؤ الملك .. ونصّبوا موسيليني زعيما أو دوتشي لإيطاليا.وخلال السنين التالية تولى بالبو مناصب إدارية ووزارية ، واهتم بتطوير الطيران العسكري. وفي عام 1930 نظم وقاد عبور أسراب الطائرات من ايطاليا إلى البرازيل في رحلة طولها عشرة آلاف كيلومتر ، عبر المحيط الأطلسي. وفي سنة 1933 قاد رحلة أخرى إلى الولايات المتحدة حيث استقبل استقبال الأبطال. وإثر عودته إلى إيطاليا منح رتبة مارشال الجو. لكن مغامرات بالبو وما ترتب عليها من شهرة وشعبية عارمة ، جعلت موسيليني يعينه حاكما لليبيا سنة 1934 ، بمثابة إبعاد سياسي له عن مركز السلطة. وفي ليبيا ،

عاش بالبو حياة رغدة في طرابلس، فكان يخرج من القصر كل صباح في موكب أميري زخرفي، محاطا بحرسه من الفرسان الليبيين إلى مكتبه بالقلعة. كما منح طاقته لنشاط غير عادي .. فأمر بمد الطريق الساحلي ، وتحمس لتوطين العائلات الإيطالية الوافدة. وأولى بالبو اهتماما خاصا لإعمار عاصمة حكمه طرابلس وتزيينها بمزيد من العمارات الفخمة، وتطويرها لتصبح مدينة ذات طابع أوروبي. فشيد الفنادق ، مثل الجراند هوتيل والمهاري والودان بطراز جمع بين المحلي والإسلامي والروماني.

من جهة أخرى ، يبدو أن بالبو توصل إلى قناعة بضرورة تحقيق مصالحة ثقافية بين الوجود الإيطالي والليبيين ، مقيدا بالطبع بالرؤية الآيدولوجية الخرقاء السائدة التي كانت تري ليبيا شاطئا رابعا لإيطاليا.








وحرص المارشال بالبو على التجول في أنحاء البلاد لعقد شتى الإجتماعات مع أعيان المناطق ، والالتقاء بالمشائخ. والصورة المرافقة تبينه محاطا ببعض شخصيات طرابلس. وهي ليست إلا واحدة من آلاف الصور التي كان المسئولون الإيطاليون شغوفين بها ، والتي ضاع معظمها.

وبالمقابل دعم بالبو بحماس مشروع الاستيطان ، وعمل على قدوم عشرين ألف إيطالي دفعة واحدة سنة 1938 ، وتوالى تدفق المستوطنين ، وحلم بالبو باستقرار نصف مليون منهم مع منتصف الستينيات







لكن بالبو ، في أواخر أيامه ، أظهر انشقاقا على سياسات الزعامة الفاشية. من ذلك أنه وصف تقارب ايطاليا مع ألمانيا الهتلرية قبيل الحرب العالمية الثانية ، بقوله " إن زعامات الفاشية قد أمسوا ماسحي أحذية القادة الألمان". وعنفه موسيليني إذ وصفه بأنه "قد أمسى من خنازير الديموقراطية". وعند اندلاع الحرب ، دعي إلى " تنحية موسيليني قبل فوات الأوان ".

في 10 / 6 / 1940 دخلت إيطاليا الحرب إلى جانب ألمانيا ، ضد بريطانيا. وبعد أسبوعين ، في 28 / 6 / 1940 ، سقطت طائرة بالبو في أجواء طبرق ، بقذائف مدفعية إحدي السفن الإيطالية الراسية هناك. خطأ أم اغتيال ؟ مجرد تخمينات ، فلا أحد ولا الوثائق ، استطاعت أن تجيب على هذا السؤال . لكن ايطاليا التي فجعت في وفاة ابنها المغامر .. ودعته بمراسم درامية حزينة.



بدايات التواصل الثقافي

في اكتوبر 1933 ، نظمت رحلة لمجموعة من الأعيان والموظفين الى روما ، لزيارة ايطاليا والمعرض الفاشستي هناك.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الخميس 06 أكتوبر 2011, 09:47

المدارس

خلال الفترة الأولى من العهد الإيطالي ، ظل التعليم في طرابلس في مدرستين أهليتين متواضعتين هما مدرسة العرفان والإصلاح. وفي بداية العشرينات فتحت مدرسة أمير بيومونتي وكانت ملحقة بمبنى مدرسة الفنون والصنائع بشارع ميزران. وفي نهاية العشرينات فتحت مدرسة للتوجيه المهني. وسمحت تلك المدارس بمواصلة البعض للدراسة الجامعية ، ولعل محمد بك درنة الذي تأهل مهندسا زراعيا ، هو أول خريج جامعي عرفته طرابلس



وفي الثلاثينيات توسعت الدولة في إنشاء المدارس أو ما عرف بالمدارس العربية الإيطالية. ويسميها محمد الأسطى التجربة المشرقة حين يصف تجربته كمدرس آنذاك إثر نجاحه في امتحان إجازة التدريس: ’’ تتمثل في كفاح المدرسين الليبيين صيانة للغتنا العربية .. وتمسكا بديننا .. هذا الكفاح نما داخل تلك المدارس نفسها ومن خلف ظهر الطليان وعلى الرغم من الرقابة المشددة ... جاءتني رسالة التعيين بمدرسة الزنتان الابتدائية .. ورفقة مجموعة من الزملاء استقلينا سيارة .. وعند وصولنا لغريان بدأنا نتفرق .. كانت المدرسة عبارة عن ثلاث حجرات .. سكنت في داموس .. أما المدرس الإيطالي فخصصوا له إحدى حجرات المدرسة .. وتوافد التلاميذ وازداد عددهم بالتدريج حتى وصل أربعين .. كانت الزنتان قرية صغيرة .. كل شئ يخيم عليه الركود والتخلف .. الطرق غير موجودة .. الحياة تنتهي من الشوارع مع غروب الشمس .. لاتوجد كهرباء .. ولا أبسط مظاهر التسلية .. الاختيار الوحيد أن أشغل نفسي في طبخ طعامي وتحضير دروسي .. والقراءة والبريد لا يصل إلا مرة في الأسبوع.. ولولا عزومات الأهالي لكانت الحياة مستحيلة .. أرسل لي أخي مجلة الرسالة والفكاهة .. كنت أقرأ المجلتين بالكامل .. كل سطر .. وأحيانا أعاود قراءتهما .. وبقيت بالزنتان ثلاث سنوات..‘‘[ii].

وفي سنة 1933 ، دعت الحكومة الشباب الذي تعلم في الكتاتيب أو غيرها ، إلى دخول امتحانات لاختيار مدرسين للغة العربية. وبدأ قبول الليبيين في مجالات الإدارة ، مع تزايد عدد الذين تلقـوا دراسة حديثة (الحساب ، اللغة .. ).



وكان في طرابلس وحدها ، 4931 تلميذ من الليبيين يدرسون في المدارس الابتدائية في بداية الثلاثينيات. ولا شك أن هذا العدد ، سمح لعدد كبير من الأطفال بتعلم اللغة الإيطالية ، ليكونوا جيلا جديدا قادرا على استيعاب الثقافة الإيطالية وشغل مناصب في مؤسسات ذلك الزمن. لكن اكتساب التعليم الحديث بما في ذلك الحساب والتجغرافيا ..الخ ، فتح أيضا الأذهان على العصر الحديث.

كما خلق بالبو حركة تطويرية في الحواضر وخاصة طرابلس وأمر بحركة ترميم وإعادة بناء للزوايا والمساجد، وكان ذلك ضمن مخطط لاستمالة الرأي العام العربي والإسلامي واتفق مع بداية تحالف إيطاليا مع ألمانيا ضد بريطانيا. وإثر جفاف 1935 في طرابلس أمر بنقل 300 ألف رأس غنم على 50 سفينة إلى مراعي برقة ، كما قامت الدولة بحفر الآبار وبناء الأحواض على طريق عودتها برًا ، بعد سقوط الأمطار ونمو المراعي .

المؤسسة الدينية

أدركت إيطاليا بالطبع أهمية المشاعر الدينية في المجتمع الليبي ، وجاء ذلك مبكرا كما نرى في منشور الجنرال كانيفا الذي صدر بعد السيطرة علىمدينة طرابلس. وحافظت السلطة الاستعمارية على استقلالية إدارة الأوقاف الإسلامية ، وساهمت الحكومة في ترميم كثير من المساجد وأضرحة الأولياء ، كما شيدت بعض المساجد ومنها مسجد سوق الجمعة وشارع بوهريدة. وحرص المسئولون الطليان على حضور شتى الاحتفالات بتدشين تلك المشاريع والأعياد الدينية. بل إن الدولة الإيطالية رسميا منعت الكنيسة من ممارسة أي نشاطات تبشيرية في ليبيا[iii]. كما احترمت السلطة الاستعمارية استقلالية القضاء الشرعي.




وخلقت تلك السياسات استجابات سالت لها بعض القرائح كما في قصيدة قيلت لمدح بادوليو :’’ ما استبق القوم فضلا عز نائله / إلا غدا المرشال فيه عوّانا‘‘ ، وأخرى في استقبال موسيليني ’’بالحزم أصبح موسيليني مالكـًا / ثقة البلاد فأصبحت تهواه ‘‘ ، وأخرى في رثاء بالبو ’’ إن مات بالبو لم تمت أعماله / يحيا العظيم وفي القبور دفين‘‘ ، ناهيك عن الكلمات الترحيبية التي أستقبل بها موسيليني من قبل القضاة في مدن ليبيا أثناء زيارته سنة 1937 ، والتي بلغت ذروتها في الاحتفال الضخم بمنطقة سوق الجمعة يوم 19/3/1937 ، وفيها أهدي للدوشي سيف. كما استمالت الإدارة الإيطالية الفرق الصوفية ، التي كانت تخرج بأعلامها ودفوفها في الاحتفالات[iv].



زيارة موسيلينى 1937

تمركزت زيارة موسيلينى الى ليبيا على افتتاح الطريق الساحلي الذي كان أكبر انجازات عهد بالبو. نزل الدوتشى فى طبرق ، وطار الى امساعد حيث افتتح الطريق الساحلى ، ثم الى درنة بالطائرة حيث شهد فى المساء فصل من تمثيلية خليفة الصياد التى قدمتها فرقة هواة التمثيل.


ثم رحل الى شيرينى (شحات) حيث أججت الآثار الإغريقية خيالاته الفاشية. ومنها إلى راتزا (البياضة) حيث خطب فى المستوطنين الطليان ، ثم الى بارشى (المرج) وأخيرا الى بنغازى. وألقى بين يديه قاضى المدينة كلمة الترحيب .. (التى جاء فيها) .. وانى لأشعر إننى أؤدى واجبا دينيا إذ أجدد لك باسم الجميع .. عهد الولاء والإخلاص ضارعا للمولى الكريم أن يوفقك للسير بإيطاليا فى طريق عظمتها ..". وتبرع بمبلغ للأعمال الخيرية ، ثم يعبر ميدان البلدية وسط هتاف الجماهير المحتشدة والمواكب التى نظمتها أحياء المدينة والطرق الصوفية بها. وواصل الدوتشى رحلته غربا متوقفا فى مختلف القرى والمنتجعات ، وصولا الى قوس النصر (قوس فيلينى) عند راس لانوف الذى أقيم بمناسبة الزيارة. ثم طار الى سرت ، ثم بالسيارة الى مصراته ، ثم زليتن ثم بالطائرة الى طرابلس حيث استقبله موكب من ألفى فارس. وفى احتفال قرب سوق الجمعة، جاء زعيم الفشستية على صهوة جواده وسط الجموع ومنح السيف الذي رفعه وهزه مرارًا.

الإذاعة العربية

عرفت ليبيا الإذاعة العربية في أواخر العهد الإيطالي .. إذاعة طرابلس العربية ، بالطبع كوسيلة إعلام لمخاطبة المواطن الليبي. وحدثني الحاج مصطفي السراج أحد أبناء النخبة الليبية الأولي ، قال:

’’ أنا تعينت في إذاعة طرابلس مترجم أخبار .. كانت لغتي كويسة .. كان فيها أحمد بن زيتون من المترجمين ، وكان فيها أحمد الحصائري و أحمد قنابة مذيعين .. كان المدير طلياني يحوّل علينا الأخبار نترجموها وبعدين نسلموها لبشير الغويل بيش يراجعها ..

كانت تذيع على الهواء مباشرة .. وكان فيها موسيقيين منهم على الحداد وبشير افحيمة وسالم صابون .. وآخرين. وكان بعض المشايخ يجوا يحاضروا عندنا .. الشيخ أحمد الشارف والشيخ أبو الربيع الباروني .. محاضرات اجتماعية .

أيام الحرب كانت الإذاعة تقدم برنامج فليخرج الإنجليز من البحر المتوسط .. دعاية سياسية يحضرها ليبيون في مكتب التعبئة السياسية .. وكان يقدمه محمد السوكني. وكان فيه برنامج أطفال .. ‘‘.



الصـحــــافــة

في بداية الثلاثينيات صدرت في طرابلس صحيفتان عربيتان أسبوعيتان هما العدل لصاحبها عبد الله بانون ، والرقيب العتيد. وكانت آنذاك تصدر صحيفة بريد برقة في بنغازي. وكانت الرقيب جريدة إخبارية بالدرجة الأولى ، تنقل أخبار الدولة الإيطالية والأخبار المحلية ، كما كانت حريصة على وجود صورة أو أكثر على صفحتها الأولي.



كما سمحت السلطات الإيطالية في تلك الفترة بدخول الصحف المصرية كاللطائف المصورة وغيرها ، واسطوانات أغاني فنانين مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ، والأفلام وكلها كانت تستورد وتوزع عن طريق أيناء ابراهيم المشيرقي. كما جاءت إلى طرابلس فرقة جورج أبيض المسرحية.

لكن الدورية الأهم كانت ولا شك مجلة ليبيا المصورة الشهرية التي صدرت بين سنتي 1935 و1940 ، والتي كان يطبعها في بنغازي عمر فخري المحيشي ، الصحفي وأحد مستشاري الدولة الإيطالية البارزين. وأهمية مجلة ليبيا المصورة تكمن في أنها فتحت صفحاتها لكل الكتاب الليبيين ، فكانت بمثابة ملتقى ليبي مشبع بروح الإنتماء الوطني. كانت بالطبع لسان حال الدولة ، لكن معظم صفحاتها كان لمواضيع " الأدب " .. فنشرت قصائد لشعراء ليبيين أمثال أحمد رفيق وأحمد الشارف. وعلى صفحاتها بدأ وهبي البوري في نشر قصصه القصيرة وتحقيقات صحفية عن الحياة في شهر رمضان ، كما نشرت إعلانات آل المشيرقي عن آخر الاسطوانات و الأفلام العربية ، بل وأدخلت لعبة الكلمات المتقاطعة وكانت الكلمات المطلوبة عن أسماء مدن وقادة مسلمين. وعبر ذلك العطاء ، بغض النظر عن مستواه الأدبي ، ترددت أصدء حب الوطن والتعلق بتراثه .. فكانت ليبيا المصورة بمعنى ما منفذًا لتهريب الهوية الليبية[v]. وقد رئيس تحريرها بظل وارف على الساحة الثقافية .. مانحـًا الشباب الجديد فرص المشاركة والتألق ، ليرسموا في الأفق أبعاد الهوية الوطنية التي كانت تداعب خيال الجميع ، رغم خضوعهم الظاهري للاستعمار الإيطالي. وفي اعتقادي أن مجلة ليبيا المصورة كانت خير دليل على فشل سياسة الطلينة التي مارسها الاستعمار آنذاك ، حتى فى المجالات التى سعى فيها الى خلق شريحة متأوربة ومتعاونة، تتغذى بأخلاقيات الأجنبى وقيمه.

التـثـاقـف

بقي أغلب الليبيين في بلادهم ، حتى ولو كانوا مواطنين من الدرجة الثانية ، يمارس ضدهم التمييز اليومي. وترك ذلك الإحتكاك آثاره على ملبس الناس وسلوكياتهم وأعمالهم . فقد تبنى الكثيرون الزيّ الأوروبي ، وتعلم آخرون اللغة الإيطالية والمهن والحرف الحديثة ، وأمست المكرونة جزءا من الطعام الليبي ، وامتصت العامية الليبية المفردات والمصطلحات الإيطالية ، خاصة ما يتصل منها بالتقنية والآلات والسيارات والرياضة البدنية. لكن التعليم وإشراك الفتيان والشباب في مناشط رعتها الدولة عرضتهم لاكتساب اللغة وكثير من مفاهيم الحداثة.




لقد كانت مواقف أجدادنا ، إما كراهية ونفور وبالتالي المقاومة أو الهجرة ، وإما كراهية وتعايش على مضض. وقلة فقط كانت متواطئة أو متأوربة. وفي النهاية ، من بقي في الوطن تعامل مع الطليان اضطرارا أو تسليما بالأمر الواقع ، وكان عليه أن يتقبل طرقهم وأساليبهم ، كضرورة عملية.

هذه الجوانب، قد تخدش مشاعرنا اليوم ، لكنها لا يجب أن تغفل من قبل الباحث التاريخي ، ولابد من التعرف على مظاهرها ، ومداها. كما أنها لم تأت من الاحتكاك العفوي وحسب ، بل كانت نتاجا للنظم الإدارية الحديثة التي أدخلها الاستعمار الإيطالي .

وقد انتبه المؤرخ الطيب الأشهب مبكرا للتأثيرات والتحولات الثقافية التي استمدها المجتمع الليبي من مواجهته مع الاستعمار الإيطالي :

’’ .. وبما إنني سطرت ما سطرته من تلك المخازي الإيطالية المخجلة التي يحمر لها وجه التاريخ ، فقد أردت أن لا أخفي ما لهم من المحاسن الوهمية .. ولا أخفي لهم حقـًا .. وانحصرت في أربع لا أكثر ولا أقل .. أولها سلامة الأمن العام .. فالأمان بين أفراد الجمهور والحق يقال كان متوفرا .. النقطة الثانية توفر المستشفيات في كل المدن الكبري .. ومدّها بمختلف العلاجات .. مع النظافة التامة التي يعجز الإنسان عن وصفها .. النقطة الثالثة تعبيد الطرق .. ونظام المواصلات .. والنقطة الرابعة توفر العمل للعمال حتى وإن كانت ثمرات العمل في الحقيقة خاصة بالطليان ، إلا أن أبناء الشعب لا يموتون جوعا لعدم العمل ولا يضعون يدًا على يد كسالي .. فالعمل متوفر .. ولا تكاد تجد متسولا واحدا في البلاد .. وكانت أجور العمال لا بأس بها .. وإن لم تقارن بأجرة العامل الإيطالي .. ‘‘[vi].

الحياة اليومية

وإذا عدنا الى منتصف الثلاثينيات ، نلاحظ أن الإدارة الإيطالية ، بعد أن حققت سيطرتها العسكرية ، مالت الى تطبيق سياسة استرخاء ومرونة . وانعكست سياسة الاسترخاء هذه على الحياة العامة ، كما يصفها لنا أحد أبناء تلك الحقبة، الدكتور وهبي البوري[vii]. فقد أعيد فتح الحدود للسفر والتجارة مع مصر، ودخلت الصحف والكتب العربية. وكان لتلك السياسة انعكاساتها على الحياة اليومية : ’’.. وزاد التقارب بين الأسر المتجاورة وبين الموظفين في العمل، وأقبلت الايطاليات على تعلم طهي الكسكسي من جاراتهن الليبيات ‘‘ !.

وفي مناخ التفاؤل والانتعاش الإقتصادي الذي عرفته الثلاثينيات شهدت المدن الليبية.. تطورا معماريا في الأحياء العربية، فهدَمَ الميسورون منازلهم القديمة المبنية بالطوب والطين وأسقف خشب الصنّور.. بساحاتها الترابية وما ضمت من مخازن غلال وأدوات حرث و" بيت للغنم" .. وبدأ تشييد بيوت حديثة ذات نوافذ على الشارع ، باستعمال الجير والاسمنت ، مبلطة بالزليز الملون ، وأدخلت الحمامات والمطابخ الحديثة ، وشاع توصيل الكهرباء والمياه الجارية . ويمضي البوري:

’’ وتطورت أوضاع العرب الاجتماعية والاقتصادية في عهد بالبو تطورا ملحوظا، وخاصة الشباب .. فالجيل الذي ولد وشبّ في العهد الإيطالي .. وجد نفسه منجذبا نحو .. الثقافة الإيطالية، فارتدى .. الملابس الأوروبية وتخلى بعضهم عن غطاء الرأس التقليدي (الطاقية أو الشـنّة) .. وتعلموا اللغة الإيطالية .. ومارسوا الرياضة وقادوا السيارات وتعودوا ارتياد المقاهي الإيطالية وتعلموا لعبة البلياردو وترددوا على دور الخيالة .. والمطاعم الإيطالية .. يقضون سهراتهم مثل الإيطاليين‘‘.

وسُـمِح لليبيين في تلك الفترة بالعمل – وإن على نطاق محدود - كموظفين في دوائر الحكومة والشركات وفي مجال النقل ، وهي الوظائف التي كانت حكرًا على الطليان واليهود. لكن أعدادًا أكبر ’’ .. اقتحمت ميدان العمل الحرفي فعملت مع الإيطاليين في مجالات الميكانيكا والدادة والنجارة والكهرباء .. واندمجوا مع زملائهم الإيطاليين الذين كانوا لا يقيمون وزنا لقوانين العنصرية .. وتعلموا منهم المهن .. وهكذا ظهرت الى الوجود فئة من الشباب .. المتفتح على الحياة الحديثة ‘‘.

تلك كانت وجوه التأثر الثقافي الذي تم بكيفيات غير مباشرة ، وكانت نتائج لم يبغيها بالتأكيد قادة وسياسيو إيطاليا الذين أرادوا إبادة الليبيين وتحويل البلاد إلى قطعة من الأرض الإيطالية. وكثيرا ما افتخر الليبيون بقدراتهم على تعلم اللغات الأوروبية ، أي مرونة ألسنتنهم .. ولم نكن نسأل لماذا ، أو أننا كنا نفترض ضمنيا أن ذلك دليل على ذكاء خاص تميز به الليبيون ، ولعل السر يكمن في تعرضهم لسماع لغة أوروبية لفترة طويلة نسبيا. بل إن كثيرًا من مفردات الدراجة الليبية أمست إيطالية ، مثل الفرنسية في تونس والمغرب ، وخاصة المتعـلـقة بالآلات والمصارف والتجارة وغيرها.



إشراك النخبة المتعلمة

في عهد بالبو ، نمت نخبة ليبية متعلمة قادرة على التعامل مع الإدارة الإيطالية. وفي سنة 1939 قرر بالبو إجراء امتحان عام ، لاختيار عشرين ليبي لشغل مناصب سكرتيري الشئون العربية في المتصرفيات؟ واشترك في هذا الامتحان التنافسي الذي أجري في طرابلس ، عدد كبير من الشباب المتعلم. وكان الأول على كل ليبيا يوسف بن كاطو ، والثاني وهبي البوري. ومن طرابلس نجم الدين فرحات ومحمد بيك درنة ومصطفى السراج .. وآخرين وكان من برقة حسين مازق.. وعبد السلام بسيكري وعبد القادر العلام ، وعبد الرازق شقلوف ، وتوفيق المهدوي ، وخليفة الجهاني. واستلم بعضهم وظائف محلية في إدارات الأوقاف والبلديات ، وأوفد آخرون إلى القنصليات الإيطالية في الدول العربية ، وعمل آخرون في إذاعة طرابلس العربية.

قــانون الجـنـسية

ولخص بالبو سياسته في مذكرة قدمها إلى أحد المؤتمرات في روما سنة 1938 داعيا إلى التعاون العربي الإيطالي وإعداد متعلمين من الليبيين لشغل المناصب العامة .

وهكذا ساهم بالبو في تحقيق إرخاء قبضة ذلك الحكم الغاشم ، وأضاف جرعة إنسانية لسياسة إيطاليا في ليبيا. وكانت مبادراته عاملا في تخفيف السياسة العنصرية التي انتهجها الفاشيون ، وقادت بشكل غير مباشر إلى فتح المجال لنخبة صغيرة من المتعلمين للمشاركة في إدارة بلادهم.



ونشط الطليان في منح الجنسية الإيطالية للأعيان وشيوخ القبائل والموظفين والمتعلمين عموما ، ويقدم أحد شهودآخر الثلاثينات ، وصفا شيقا ولا يخلو من تبرير: ’’ كان من يمنح الجنسية يسمى إيطالي مسلم .. وذات يوم تلقيت استدعاء عاجلا إلى مقر الشرطة .. دخلت على قائد المركز .. ونظر إلى مليـّا .. ثم قدم لي نماذج مكتوبة للتوقيع .. فخ منصوب ، فعدم التوقيع يعني ثبوت تهمة عدم الإخلاص .. أمسكت القلم ووقعت .. وتمتم في سرّه .. كان يلعن .. ولم أعرف إذغ كنت أنا المقصود ، أو أنه يقصد العملاء الذين نقلوا إليه ما كنت أقوله للناس حول موضوع الجنسية .. لكن ثقتي كانت تامة .. فالتوقيع لا يعني أي تغيير بالنسبة لي .. والغريب أن أهل المنطقة [سواني بن يادم] وافقوني على ما فعلت .. ثم أمر الطليان بسفر المتجنسين في موكب إلى مدينة طرابلس .. فنقلتهم السيارات والقطارات مجانا في ما يشبه المهرجان ، وجرى طبع شهادات الجنسية .. وجاؤوا بالقاضي والمفتي وانتظم حفل كبير. ولم يخفف كل ذلك من مشاعر الخجل والحرج التي تملكت المتجنسين ، رغم أن الكثير منهم لم يقبلوها إلا تحت الضغط كما حدث لي‘‘[viii].

ســباق طرابلس الدولي للسيارات

لكن أطرف ما شهدته طرابلس في زمن بالبو كان ولا شك سباق السيارات من نوع الجائزة الكبرى Grand Prix Tripoli. ألم يكتسب بالبو شهرته حين حقق أطول رحلة بالطيران وعبر الأطلسي إلى نيويورك حيث استقبلته حشود المعجبين ؟ كذلك كان سباق السيارات من باب البحث عن دعاية مثيرة لإيطاليا .. ولامبراطورية موسيليني الرومانية.

في سنة 1933 افتتح حاكم ليبيا الجديد والرياضي الأنيق ، المارشال بالبو حلبة لسباق السيارات .. الأسرع في العالم ، على سبخة الملاحة بين طرابلس وتاجوراء ، واستمر السباق سنويا إلى 1940.

كان أعرض من طريق مونتي كارلو الضيق والملتوي .. وعليه بإمكانك أن تبلغ سرعة 120 ميلا في الساعة .. وربما بذلك قطَـعتَ رقبتك ووضعت نهاية حياتك في سبيل الشهرة ! كان السائقون مدركون لذلك وكذلك كانت السلطات ، لكنها كانت تبحث عن الدعاية واستطاعت اجتذاب أشهر الأسماء للمشاركة.

كان افتتاح يوم 7 مايو 1933 ، كان يوما حارا بفضل رياح القبلي القادمة من الصحراء. وبدى المضمار كشريط لامع طوله 13 كيلومترا ، ينساب بين بساتين النخيل. لكن المنصة كانت بحرا من الألوان ، الضباط الطليان ونساؤهم ، ومسئولي المستعمرة ، وأعيان المدينة بجرودهم. وفي منصة قريبة منفصلة كان أثرياء مقامرون. ووقف بالبو ليرفع العلم مشيرا للمتسابقين بالانطلاق بمحركاتهم الهادرة.

وبعد قليل انتهى السباق .. قبيل النهاية توقف أحد المتسابقين ونادى بأنه لا بنزين لديه ، وهرع معاونوه ببيدونيات أفرغوها في تنك سيارته. واقترب المتسابقون الآخرون ببطء. .. وأقلع الذي كان متوقفا .. وفاز آكيلي فارتسي في سيارة من صنع بوجاتّي Bugatti في مدة ساعتين و19 دقيقة ، بمتوسط 104 ميل في الساعة لإنهاء 15 دورة .



معرض طرابلس الدولي

كان تأسيس معرض طرابلس الدولي ذروة الدعاية أو الإيهام ، التي وصلتها سياسة بالبو. فعند تأسيسه ، كان يقصد به أن يكون معرضا لنجاح إيطاليا في تحديث طرابلس من جهة وتبريرا لوجودها الاستعماري من جهة أخرى.

ولم يكن موجها فقط للعالم الخارجي بل أيضا إلى الليبيين ، بدليل حرص السلطة الإيطالية على تنظيم زيارات لليبيين إلى المعرض والاحتفاء بهم ، وتخصيص أجنحة للصناعات الليبية التقليدية.
_________
* للوصول إلى كافة الحلقات ومقالات وكتب اخرى للدكتور محمد المفتي اضغط هنـــــــــــــــــــــا

[i] ص 174 ، من كتاب بلدية طرابلس في مائة عام ( 1870- 1970) ،صادر عن بلدية طرابلس، 1973.

[ii] بتصرف ، ص 307-317 من كتاب الأسطر ، مرجع سابق.

[iii] د. صلاح الدين حسن السوري ، ص 449-495.

[iv] د. السوري ، المرجع السابق.

[v] إنظر مقال المؤلف " النغم الليبي من جوف النشاز الفاشستي أو الهوية المهربة على صفحات مجلة ليبيا المصورة"، ص 58 – 77 من مجلة الفصول الأربعة، العدد 87، أبريل 1999. وقد أعيد طبع هذه الدراسة في كتابي الوطن الذي يسكننا، القاهرة، 2007.

[vi] ص 512 – 513، من كتاب: برقة العربية أمس واليوم ، تأليف الطيب الأشهب، طبع على نفقة عبد الله لملوم، عضو مجلس الشيوخ المصري، القاهرة، 1945 .

[vii] رائد القصة القصيرة في ليبيا، والصحفي آنذاك والدبلوماسي المخضرم طيلة عقدي الخمسينيات والستينيات. انظر ص267 وما بعدها، من كتابه ‘‘ بنغازي في فترة الاستعمار الإيطالي’’، منشورات مجلس تنمية الإبداع الثقافي، 2004.

[viii] ص 378 وما بعدها من كتاب الأسطى ، مرجع سابق.

21-06-2008 #20
الشكرى
أعجبته النخبة..




انضم في: 04 / 2008
المدينة: طرابلس
العمر: 27
المشاركات: 119
معدل تقييم المستوى: 4


رد: الأيام الطرابلسية ( حلقات)
الأيام الطرابلسية (الحلقة العاشرة): ايام اليهود


د. محمد محمد المفتي


قدم اليهود إلى طرابلس ، ربما في القرن الثامن قبل الميلاد .. حين أسس الفينيقيون مدينة أويــا كمحطة تجارية .. واشتغلوا في مجالات التجارة والصرافة وغيرها من الخدمات الحرفية. ومنذ ذلك الزمن ، عاش اليهود في سلام ، كطائفة من أهل البلاد .. كتجار ، وصنايعية خاصة في مجالات الحدادة وصناعة المحاريث أو صياغة الحليّ .. ويقايضونها بالمحاصيل والزيتون والفواكه. عاشوا ، كما عاش بقية أهل البلاد في تجاور سلمي ، مثلما يتعايش الفلسطينيون في مدن يافا وحيفا ومئات المدن الصغيرة والقرى .. وكما يعيش ملايين المسلمين والهندوس في الهند ، أوالمسلمون في مجتمعات أوروبا وأميركا المسيحية اليوم. تلك هي الحقيقة بالنسبة للأغلبية ، حتى وإن كانت وسائط الإعلام والفضائيات تحرص على إظهار المواجهات والصدامات. فالتعايش بين الجماعات تفرضه الرغبة في البقاء.

وهكذا عاش اليهود في ليبيا عبر العصور في أمن كامل .. في الحارة الكبيرة والصغيرة وحارة غريان في المدينة القديمة.. وفي غريان وزليتن وبنغازي ودرنة .. بل وغدامس وغات ومرزق ، ومنهم من استقر في شمال نيجيريا. وبعد سنة 1492 ، نزحت من الأندلس إلى طرابلس حوالي 400 عائلة يهودية فرارا من عسف المسيحيين الذين استولوا على الممالك العربية هناك. وفي القرون القريبة ، وفـَدَ على طرابلس يهود من إيطاليا وخاصة من مدينة ليفورنو. وهكذا وصل تعداد يهود ولاية طرابلس مع بداية القرن العشرين ، قبيل الغزو الإيطالي إلى 14 ألف نسمة ، وشكلوا في طرابلس وحدها ثلث سكان المدينة.




لكن التعايش الذي يفرضه سعي كل طائفة للحياة دون منغصات .. لم يلغ الفواصل الثقافية والدينية بينها. فبينما أصرّ اليهود على تعاليهم بحجة أن دينهم هو الأقدم ، وعلى رفضهم مصاهرة الليبيين .. فكذلك نظر إليهم الليبيون بشك كقوم نجس نزّاع إلى الاستغلال المادي والفتنة ونخـْر أسس المجتمع الإسلامي. ومن هنا كانت عزلة اليهود التلقائية في الحارات ليعيشوا حياتهم ويمارسوا طقوسهم الخاصة.




وتدريجيا هيمن اليهود في طرابلس على التجارة سواء بممارستها أو بإقراض غيرهم ، وعلى الحرف مثل النجارة والحدادة .. وخاصة صياغة الذهب والفضة. كما فتحوا الحانات لروادها من طليان ومالطيين ويونان ومسلمين. وبرزت شركات أربيب وحسان وناحوم منذ سنة 1880 ، في مجال كبس وتصدير الحلفا. كما عرفت طرابلس فرق الغناء اليهودية ، وأشهرها قبيل الغزو الإيطالي فرقة بردعة ، كما أسس الحمريطي مسرحا يهوديا لتوعية أبناء طائفته.

مع نهاية القرن التاسع عشر ، شهدت الطائفة اليهودية الطرابلسية ، تطورات هامة. أولها تأسيس المدارس لتخريج متعلمين للعمل في القنصليات ومكاتب الولاية ، ومدارس فنية للتدريب الصناعي مثل مدرسة أبناء ليفورنو (تأسست سنة 1876) ومدرسة أبناء ناحوم لفنون التجارة والصناعة وضمت 800 طالب ، ومدرسة لتعليم البنات الخياطة والتطريز ، فضلا عن التحاق أبناء اليهود بمدارس الإرساليات الأوروبية بالمدينة[i]. ومع ذلك بقي معظم أبناء الطائفة اليهودية الطرابلسية أميون ، لكن الشريحة الصغيرة من المتعلمين بينهم كانت هامة لتيسير تعامل اليهود مع الطليان بعد الاحتلال.

وظهر بين هذه الشريحة ، شعراء مثل ابراهام خلفون ، والطبيب الشاعر خليفة حجيج ( من تقرنـّـة ، قرب غريان). وفي 1909 تأسست مطبعة أربيب بالحروف اللاتينية ، وفي العام التالي المطبعة الشرقية لصاحبها افراييم تشوبا التي كانت تطبع جريدة أبوقشة لصاحبها الشيخ محمد الهاشمي. واستفادت الطائفة اليهودية في طرابلس من إطلاق الدولة العثمانية حرية الأقليات فأصدرت تلك المطابع صحيفتي صدى طرابلس بالإيطالية والدردنيل بالعبرية.






والتطور الاجتماعي الثاني كان تكوين جمعيات خيرية لتقديم المعونات لفقرائها ، منها جمعية عيد الفطير ولجنة إعانة المكفوفين وجمعية مواساة المرضى وجمعية إيواء المسنين وأخرى لتجهيز الموتي ، بل وجمعية للعوانس وغيرها. وفي عام 1935 ، كان عدد فقراء اليهود في طرابلس حوالي خمسة آلاف شخص (ألف أسرة) ، أو ثلث عدد الطائفة آنذاك. وتأسست دار السروسي للأيتام التي آوت 550 طفل سنة 1930. وكانت التبرعات تجمع من التجار والحرفيين وفي مناسبات الزواج والختان[ii].







أمام هذه الخلفية ، وإثر الغزو الإيطالي ، انحاز أعيان وأثرياء ومتعلمي اليهود ، إلى الحكم الإيطالي الجديد ، وبدأوا يظهرون عداء لليبيين الذين قاوموا الغزو. لكن قدوم الطليان ، جلب معه كسادا ، نتيجة توافد التجار والوسطاء ثم الحرفيين من إيطاليا القادرين على تقديم سلع تتناسب وأذواق الإيطاليين.

ومع مضي الزمن ، وصدور القوانين الجديدة إزداد تعاون اليهود مع السلطات الإيطالية ، بما في ذلك إنضواءهم تحت مظلة رابطة يهود إيطاليا. واستمرت علاقات اليهود الطرابلسيين مع الحكم الإيطالي بين مد وجزر.

بالمقابل أجج فرض الانتداب البريطاني على فلسطين سنة 1920 ، مشاعر العداء لدي الليبيين تجاه اليهود. ومع حلول سنة 1938 تغيرت الأمور بالنسبة للطائفة اليهودية نتيجة تحالف إيطاليا مع ألمانيا النازية. وإثر اندلاع الحرب العالمية الثانية وتحالف موسيليني مع هتلر ، بدأ طرد اليهود من مؤسسات الدولة. لكن تلك الإجراءات لم تأخذ مداها في ليبيا نتيجة عدم رضا بالبو عنها. وفي سنة 1942 أوقفت المؤسسات الإقتصادية اليهودية. مع تفاقم الحرب ، أقام الطليان معسكرات عمل قرب جادو وطرابلس ، أرسل إليها قرابة أكثر من ألفين يهودي.




ومع نهاية الحرب العالمية الثانية ، ازداد نشاط الوكالة الصهيونية في ليبيا ، وقامت بتهريب اليهود إلى فلسطين سواء بالترغيب أو التخويف مما قد ينالهم ، لكن عدد من هاجروا كان قليلا. أما أغلبية اليهود الليبيين فقد هاجروا إلى اسرائيل خلال سنة 1949 ، إثر موجات الاحتجاج التي اندلعت في المدن الليبية بعد حرب إسرائيل.

الجيل الثالث من يهوديات ليبيا ما زلن يحنن الى لباس ليبيا التقليدى


[i] ص 26 وما بعدها ، يهود طرابلس ، تأليف د. خليفة الأحول ، مطبوعات مركز الجهاد ، 2005.

[ii] ص 99 إلى 113 ، من كتاب يهود طرابلس.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الثلاثاء 11 أكتوبر 2011, 22:37

الأيام الطرابلسية (الحلقة الحادية عشر): ايام الحرب

د. محمد محمد المفتي

في 13 سبتمبر 1940 ، شنّ الإيطاليون هجوما على مصر بقيادة غراسياني ، وبعد ثلاثة أيام وصلوا وتوقفوا عند سيدي براني. وفي 9 ديسمبر ، ردت القوات البريطانية بهجوم مضاد ، بقيادة الجنرال ويفل وسرعان ما انهارت الجبهة الإيطالية ، ليأسروا 130 ألف جندي ايطالي ( بينهم بضع آلاف من المجندين الليبيين ) و400 دبابة و1200 مدفع .

وسرعان ما تراجعت فلول الطليان. واحتل الإنجليز برقة ، ودخلوا مدينة بنغازي ليبقوا فيها 56 يوما ، قبل أن ينسحبوا في يوم 3 أبريل 1941 أمام الهجوم الكاسح الذي شنه الألمان بقيادة الجنرال رومل. وبدورهم شن الطليان العائدون حملة انتقامية من كل من ظنوا أنه تعاون مع الإنجليز. وكان مع الإنجليز وحدات من الجيش الليبي الذي أسس مؤخرا في مصر.

وعاد الجيش البريطاني ثانية ( 25 / 12 / 1941) إلى بنغازي ، لكنهم اضطروا خلال شهر التراجع إلى الحدود الليبية المصرية أمام اندفاع الفيلق الأفريقي من الجيش الألماني. وبدا استيلاؤه على مصر أمرا محتملا. لكنه توقف داخل الحدود المصرية ، وبقيت المواجهة إلى أن استلم الجنرال مونتجمري قيادة الجيش الثامن البريطاني وحصل على تعزيزات ، مكنته من الانتصار في معركة العلمين الشهيرة ومن ثم التقدم في ليبيا ، ليدخل الإنجليز بنغازي يوم 20 نوفمبر 1942 ، ثم مواصلة الزحف إلى طرابلس التي دخلوها في 23 يناير سنة 1943.

تلك هي الخطوط العامة لمراحل الحرب ، لكنها لا تنقل إلينا تفاصيل المعاناة والرعب الذي رافق تلك الأحداث. وقد حالفني الحظ في العثور على وصف بقلم أحد أبناء طرابلس ، أقتطف منه هنا بعض الفقرات بشئ من التصرف: ’’

وأمام نذر الهزيمة المؤكدة ، بدأ الطليان في تخريب منشآتهم العسكرية وتفكيك ونقل بعضها .. ’’ وشاهد الناس حالة الفزع والرعب .. الذي انتاب الطليان .. فأصبحوا يجوبون شوارع طرابلس ويتعلقون بأي مركبة متجهة نحو الحدود التونسية ، لا فرق في ذلك بين العسكريين والمدنيين وخاصة أعضاء الحزب الفاشستي .. فاستبشر الليبيون خيرا ..‘‘[i].

ويصور أحد أبناء الظهرة ، أجواء طرابلس إبان الحرب. إذ فقدت المدينة اتصالها بأبنائها المهاجرين في تونس ومصر. وتوقفت المدارس وانقطع السكر وشح الدقيق والدخان ، وامتلأت الليالي بأزيز الطائرات ولهيب القنابل .. حتى كانت ليلة الشؤم ، ليلة الفراقيط .. ليلة صبت فيها بوارج الحلفاء نيرانها على المدينة[ii].

وعاشت المدينة أثناء الحرب في جو من الأكاذيب والتبريرات الإيطالية التي أصرت على أن النصر سيكون حليفها .. وفي النهاية غادرجنود إيطاليا طرابلس دون مقاومة. وجاء الإنجليز .. ثم عاد في إثرهم أسرى الحرب من المجندين الليبيين ، أو " اليسرا " كما سماهم الناس بالدارجة الليبية.

وفي البداية سرت موجة من الفرح والتوقع بين الناس عندما دخلت إيطاليا الحرب ، على امل أن تقود إلى تغيير ما أو على الأقل تخفيف قبضة الطليان على البلاد. ومبكرا قامت طائرات فرنسية بشن غارة على ميناء طرابلس. واضطر المقيمون بوسط المدينة إلى الخروج إلى البساتين في الضواحي وإلى القرى المجاورة لطرابلس. وكانت المرحلة التالية هجوم إيطاليا على مصر وكان أن توقف زحف الجيش الإيطالي بقيادة السفاح غراسياني عند سيدي براني ، ثم أسره عندما قام الجيش الإنجليزي بشن هجوم مضاد. وتقدم الإنجليز إلى العقيلة. ولجأ معظم مستوطني برقة إلأى طرابلس التي أمست مكتظة.

وتواصلت الغارات الجوية الإنجليزية على المدينة وسقطت إحدى الطائرات المهاجمة على محلة كوشة الصفار بالمدينة القديمة وهدمت عددا من البيوت وراح ضحية الحادث عدد كبير من القتلى والجرحى. وهكذا ازدادت الهجرة إلى خارج المدينة ، وأقام الكثيرون في أكواخ بالضواحي. ونقصت السلع والمواد الغذائية ونضبت النقود بتوقف الأعمال.

ويصف الأسطى جوانب من الحياة الصعبة والخطرة آنذاك. من ذلك أنه كان يمتلك مذياعا. وكان المذياع آنذاك يحتاج لترخيص ودفع رسوم سنوية لإدارة البريد ، وإلا تعرض للمصادرة. وقام بتهريب مذياعه إلى بني وليد حيث لجأت أسرته ليسمع الأخبار من لندن والقاهرة ، ثم يخبئ الجهاز تحت السرير .. وكان الطليان قد نصبوا مكبر صوت في ميدان السوق ببني وليد لإذاعة بياناتهم الدعائية. ثم حمل مذياعه إلى العزيزية‘‘.




نزلت القوات الألمانية في العقيلة وتقدمت حتى العلمين داخل الحدود المصرية ، وارتفعت معنويات الطليان. وأعيد فتح المدارس في طرابلس. لكن الدراسة لم تستمر سوى شهرين ، نظرا لبدء الهجوم الإنجليزي بقيادة مونتجمري. وواصل الإنجليز تقدمهم نحو طرابلس ، ’’ ووقفت أشهد أرتال دباباتهم وهي تتقدم .. وهكذا شهدت بأم عيني دخول الطليان إلى طرابلس .. وأن أشهد خروجهم منها في 23 يناير 1943 .. ولا يستطيع القلم أن يصف مشاعر الارتياح التي عمت الأهالي بالخلاص من الطليان .. حتى أنهم نسوا كوارث الحرب .. وطاف جنود الجيش الثامن الإنجليزي ، وكانوا نيوزلنديين .. بالشوارع .. وتجاوزت عمليات النهب حدودها .. واستمر الحال على ذلك لمدة تزيد عن شهر .. وتعطلت المواصلات نهائيا واقتصرت على الدواب .. وخيم شبح المجاعة. لكن مقاومة الألمان والطليان لم تطل ، وانسحبوا إلى صقلية .. فشعر الناس بالأمان وبدأوا العودة إلى طرابلس .. ثم انتشرت حمى التيفود وحصدت الأرواح‘‘.



ووصلت الدبابات الإنجليزية ونصبوا الخيام وأقاموا معسكراتهم .. وحرصوا على كسب ود الليبيين وسرعان ما ’’ ربط أفراد القوات الإنجليزية علاقة مع الأطفال قامت على مقايضة البيض .. بالشاهي والسكر والأرز والدقيق‘‘ كما يقول الجنزوري. وسرعان ما تحولت المقايضة إلى تجارة مزدهرة شملت الملابس والأحذية والبطاطين وعلب الدخان. وعاد النازحون الذين لجئوا إلى القرى المحيطة أثناء الحرب ، إلى بيوتهم. لكن الحرب هي الحرب ، فانتشرت البطالة وارتفعت الأسعار .. وازداد التسول والسرقة والدعارة.










’’ وشيئا فشيئا بدأت الأمور تعود لطبيعتها .. واستأنف الحرفيون أعمالهم .. فصنعوا الأحذية من إطارات السيارات .. وأواني الطبخ من هياكل الطائرات المحطمة. ووصلت البواخر التجارية. واستمر نظام البطاقات لتوزيع المؤن. وأعيد فتح المدارس‘‘[iii].

لقد جاءت الحرب العالمية الثانية إلى ليبيا .. صدفة تاريخية .. نتيجة صراع الحلفاء (بريطانيا ، فرنسا وأميركا ..) ودول المحور (ألمانيا ، ايطاليا واليابان ..) .. على قناة السويس ونفط الشرق الأوسط. ولحق ليبيا دمار هائل ، وعانى الليبيون الرعب والمجاعة واليتم. لكن الحرب خلصت البلاد من قبضة الاستعمار الإيطالي الاستيطاني العنصري. كان ثمنا باهضا ، لكنه كان ضروريا.

في الجانب الآخر .. دفع ثمن الحرب ، عشرات الألوف من الشباب الأوروبي الذين جندوا للدفاع عن أوطانهم والحرية كما كانت تقول شعارات ذلك الزمن. جاؤا إلى فيافي شمال أفريقيا ، مدفوعين بالحماس أو حب المغامرة ... وبقدر كبير من السذاجة.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الثلاثاء 11 أكتوبر 2011, 22:44

الأيام الطرابلسية (الحلقة الثانية عشر): ايام الادارة




د. محمد محمد المفتي

وأسست بريطانيا إدارة عسكرية في كل من طرابلس وبرقة. وعين حاكما لإقليم طرابلس ترافورز روبرت بلاكلي ( 1899 - 1982 ) Blackley الذي بقي من 1943 إلى 1949. وبعد ذلك عين مندوبا مقيما حتى ديسمبر 1951. كانت السنين الأولي مرحلة قلق اقتصادي وسياسي، ومزيج من العواطف .. التطلع إلى الاستقلال ، وإلى وحدة ليبية مهدّدَة بخطوات برقة نحو استقلال ذاتي ، والتخوف من أطماع إيطاليا في العودة إلى طرابلس ولو كوصيّ دولي.

في هذه الفترة ، استعادت مدينة طرابلس مسحتها العربية التي كانت قد تراجعت نتيجة الاستيطان الإيطالي. فقد غادرها كثير من المستوطنين وعاد إليها كثير من أبنائها المهاجرين في تونس ومصر ، وبالتالي ارتفعت نسبة السكان الليبيين إلى 66% ( بعد أن كانت قد انخفضت إلى 41% عند اندلاع الحرب العالمية سنة 1940.

الأهم من ذلك أن الليبيـين تطلعوا إلى الإنصاف ومعاقبة الطليان ومن تعاونوا معهم ، كما تطلعوا إلى استقلال بلادهم. وكان كثير من المهاجرين العائدين يحملون معتقدات سياسية ومشاعر قومية عربية مما عزز انتشار الوعي السياسي وبداية النشاط السياسية.

لكن تلك الفترة المبكرة كانت أيضا فترة ارتباك كما يقول أحد التقارير السرية للإدارة العسكرية الإنجليزية نفسها:

’’ إن البريطانيين بالرغم من الآمال التي كانت معقودة على مجيئهم , فإنهم لم يستطيعوا أن يبدلوا الأرض غير الأرض و السماء غير السماء. أسعار المعيشة مرتفعة و أسعار السوق السوداء تفوق حد الوصف. النقود فقدت قيمتها فهبطت. هناك ركود في التجارة و المتاجر خالية من السلع و البضائع . ويبدو للعرب أن الممتلكات التي كانت قد صادرتها الحكومة الإيطالية , لم تعد إلى أصحابها في التو والحين. وهناك اعتقاد سائدا بأن الإيطاليين وأصدقاء الإيطاليين من العرب ما زالوا يعملون في الإدارات والمكاتب الحكومية‘‘[i].

طرابلس بعيون درناوية ..!

في سبتمبر سنة 1946 سافرت فرقة درنة للتمثيل ، ولعلها أول فرقة مسرحية في ليبيا، سافرت إلى طرابلس لعرض مسرحياتها. وقد نقلت مجلة المرآة ، خبر وصول الفرقة :

’’ وصلت في الأسبوع الماضي إلى المدينة فرقة أنصار التمثيل الدرناوية تحت رئاسة الممثل البارع الأستاذ محمد عبد الهادي وهو أشهر من نار على علم .. وتحتوي الفرقة على 13 عنصرا .. ولها بروغرام هائل يحتوي على عشرات من الروايات بين اجتماعية وأدبية وفكاهية .. فأهلا وسهلا بها‘‘[ii].

وقد سجل لنا أحد أعضاء فرقة درنة وهو المرحوم فتح الله المقصبي[iii] ، يوميات دقيقة وطريفة تلقي أضواء على إصرار الجماعة وحماسهم لمشروعهم المسرحي ، ومدى ما تجشموا من متاعب ، وأيضا ما لقيوا من تأييد وعون. وهناك أيضا تفاصيل ثانوية ، مثل خط السير ، ونقاط التفتيش ووصف للقري. واليوميات غنية بالمشاهدات عن الحياة في طرابلس وما كان يشغل أهلها في منتصف الأربعينيات.

مرت الفرقة بمدينة بنغازي حيث قدمت عروضا لبعض مسرحياتها. وفي يوم 17/9/ 46 قصدوا طرابلس في سيارة شاحنة , ومروا على اجدابيا ، ثم سرت ’’... وهي مدينة صغيرة بها النخيل و الأشجار وواقعة على هضبة مرتفعة و بها مركز لبوليس طرابلس , مكثنا بها أكثر من ثلاث ساعات لينتهي البوليس من تفتيش سيارتنا وسيارة أخرى وجدناها واقفة أمام مركز البوليس و التفتيش هناك دقيق للغاية , وتبدل العملة المصرية (البرقاوية) بالعملة الطرابلسية‘‘.

ثم مصراتة .. وأخيرا وصلوا طرابلس عند الظهر يوم 19/9/46 ، فوجدوها في حالة إضراب عام والمحلات مغلقة احتجاجا على تسلل الإيطاليين غير الشرعي إلى المدينة ... وانتقل أعضاء الفرقة إلى فندق "أكويللا دي أورو" أي النسر الذهبي مقابل ستين فرنك عن كل فرد لكل ليلة. وأمضت الفرقة الأيام الأولى في التنزه في طرابلس الجميلة كما يقول كاتب اليوميات. ولأن الإقامة مكلفة بالفندق ، انتقلت الفرقة إلى شقة وضعها تحت تصرفهم نادى حزب الكتلة الوطنية ، بميدان الساعة.

’’ يوم 29/9/46 قدمنا جميع ما معنا من الروايات إلى دائرة البوليس للإطلاع عليها قبل تمثيلها. وبعد يومين ذهب محمد عبد الهادي رئيس الفرقة إلى دار سينما كورسو واتفق معه بشرط أن تقيم الفرقة خشبة المسرح وستائره , لأن السينما صيفية ولا يوجد بها مسرح ‘‘.

’’ يوم 2/10/46 ذهبت أنا و محمد و حمد إلى البلدية – و ما أعظمها من بلدية – و دخلنا على القرمللي وبعد أن سلمنا عليه حكينا له بالتعب و العراقيل التي صادفتنا . . . فخرج وسحب لنا بعض الروايات الذي أمكن الإطلاع عليها فشكرناه على ذلك ‘‘.

’’ يوم 4/10/46 سافرنا من طرابلس إلى الزاوية بطريق السكة الحديدية لأجل التمثيل هناك على مسرح يملكه صاحب السينما الذي اتفقنا معه ( كورسو ) ريثما يجهز المسرح بطرابلس . . وصلنا إلى الزاوية قبل منتصف النهار وأدخلنا ما معنا من أثاث إلى المسرح. وفي المساء قمنا بتمثيل رواية آه لو كنت ملكا. وفي مساء اليوم التالي مثلنا رواية شهرزاد‘‘.





مساء يوم 6/10/46 قمنا بتمثيل رواية خليفة الصياد في طرابلس ... وكان الإقبال عظيما ‘‘.

’’ يوم 9/10/46 لم تسمح لنا الرقابة بتمثيل رواية غيث الصغير لأنها تمثل جانبا من الظلم الإيطالي بمعتقل العقيلة و ما لحق العرب من الظلم والاضطهاد , وخافت الإدارة البريطانية من إثارة الأحقاد ضد الإيطاليين. وخصوصا إن تلك الأيام كان الإيطاليون يتسللون من ايطاليا في مراكب صغيرة و ينزلون خفية بعائلاتهم على شواطئ طرابلس وقد أحتج العرب كثيرا .. وفي المساء قمنا بتمثيل رواية شهرزاد ‘‘.

’’ وفي 14/10/46 سافرت الفرقة إلى سوق الجمعة , ونزلنا في النادي العربي .. وفي المساء قمنا بتمثيل رواية آه لو كنت ملكا‘‘.




وفي 15/10/46 دعانا القائمقام [رئيس النادي] إلى حفلة غداء على شرف الفرقة ودعا معنا جماعة من أعيان البلدة .. و كانت حفلة رائعة ألقيت فيها الخطب من الجانبين ودار فيها الحديث حول القضية الليبية والحالة في برقة وطرابلس في ذلك الوقت ودعونا إلى الله أن يوفق بينهما حتى لا ينقسم الوطن الواحد .. وكان الاجتماع في غرفة جميلة في الدور الثاني تشرف على بساتين لا يأتي على أخرها النظر. وكان بالقرب منها بئر ( اجباد ) وجابية للماء غرس حولها الموز و الورد والفل و جميع أنواع الزهور . . وكان الجو هادئا و النسيم عليلا ..أما الجنان فكان جميلا جدًا به أشجار المشمش والتين والزيتون والليمون على كافة أنواعه واللوز والرمان و العنب حتى ذكرتني ببساتين درنة الخضراء ... حقا إن طرابلس لغنية ببساتينها و أنواع أشجارها الكثيرة. وفي المساء قمنا بتمثيل رواية شهرزاد‘‘.

’’يوم 16/10/46 دعانا أحد أعيان المدينة إلى تناول طعام الغذاء في منزله واستشارنا في نوع الأكل الذي نرغبه فطلبنا منه ( البازين ) . . ودعا معنا بعض أعيان البلدة . . ذهبت أنا وكريمش و خليفة لزيارة المدرسة و دخلنا على الناظر وسلمنا عليه ثم دار بنا على كافة الفصول و قدم إلينا أسماء المعلمين عند السلام عليهم وغادرنا المدرسة في فرح وابتهاج بهذا الاتصال الأخوي . . في المساء قمنا بتمثيل الصديق الخائن‘‘.

’’ ومن الجدير بالذكر انه توجد قبيلة بين قبائل سوق الجمعة تزيد عن خمسمائة رجل يقال لها قبيلة الدرناوي .. وفي المساء قمنا بتمثيل رواية المظلوم على مسرح الحزب الوطني‘‘.

’’في صباح 20/10/46 ذهبت أنا وحمد إلى شركة النقل الطرابلسية ودخلنا على مدير الشركة وهو شخصية إيطالية محترمة كان أدميرال في الأسطول الإيطالي.. فخصم لنا من ثمن الركوب خمسين بالمائة , وأعفانا من الخلاص على ما معنا من أثاث ‘‘.

’’ يوم 22/40/46 سافرنا من طرابلس صباحا ووصلنا إلى مدينة ازليتن و نزلنا على الحزب الوطني .. ذهبت برفقة بعض الممثلين لزيارة ضريح الشيخ سيدي عبد السلام الأسمر وما إن قربنا من المقام حتى التف حولنا خلق كثير من الكبار و الصغار المتسولين والمشعوذين وقد ظهر عليهم الضنك ورقة الحال ... في المساء حضر بعض أعيان الحزب و معهم السكر و الشاي و الككاوية و قضوا معنا سهرة الليل. وفي اليوم التالي دعينا إلى تناول الغذاء على مائدة احد أعيان المدينة .. في المساء قمنا بتمثيل رواية شهرزاد‘‘.

’’ يوم 24/10/46 سافرنا من زليتن إلى مصراته ونزلنا في بيت محمد النحاسي أحد معارفي وأصدقائي .. في المساء قمنا بتمثيل رواية آه لو كنت ملكا. وفي اليوم التالي قمنا بتمثيل رواية شهرزاد ‘‘.

’’ يوم 26/10/46 بينما نحن وقوف حيارى في ميدان المدينة إذ بسيارة برقاوية . . سألنا السائق إلى أين ؟ قال: إلى جدابية. وبعد جهد جهيد اتفقنا معه أن يحملنا إلى المرج بمبلغ قدره ثمانية جنيهات .. على أن ندفع له في مصراته مائتين قرش والباقي ستمائة قرش من ريع أول حفلة في المرج‘‘ .


النـشــاط السياسي




عموما كانت الإدارة البريطانية متعاطفة مع الليبيين أو أنها سعت لكسب ثقة ومودتهم ، ذلك أن أحد الدروس التي تعلمتها بريطانيا
من الحرب العالمية الثانية ، ضرورة احتفاظها بقوات غربي مصر لتحمي قناة السويس ومنابع النفط في الشرق الأوسط ، ولهذا كانت حريصة على مودة الليبيين وتشجيع النشاط الثقافي والسياسي. ولم تكن الدواعي سياسية محظة ، فكثير من رجالات الإدارة البريطانية كانوا من المجندين المدنيين ذوي النزعات الليبرالية. من ذلك أنه لما أفتتح النادي الأدبي سنة 1943 قام مكتب العلاقات العامة البريطاني بتزويد النادي بالصحف و المجلات كما زوده بعدد 500 مجلد من الكتب لإنشاء مكتبة.

مع مرور الوقت قاد نشاط النادي الأدبي تلقائيا إلى النشاط السياسي ، وفي سبتمبر من هذه السنة 1945 ، أعلن تأسيس الحزب الوطني الذي بلغ أعضاءه 1800 شخصا. وأختير مصطفى ميزران ، الوجيه ومدير مدرسة الفنون والصنايع رئيسا له.

كما سمحت الإدارة البريطانية بصدور الصحف ، ومنها صحيفتين حكوميتين هما طرابلس الغرب وكورييري دى تريبولي. كما أصدر مصطفى العجيلي وفؤاد الكعبازي مجلة المرآة (1946) النقدية الكاريكاتيرية.

وتوالى تشكيل التنظيمات السياسية في طرابلس ، وفى آخر الأربعينات كانت:

· الحزب الوطنى بزعامة مصطفى ميزران.

· الكتلة الوطنية الحرة التى ضمت بين قياداتها على الفقيه حسن، محمد المبروك، محمد قنابه ومحمد فرانكه ، وكانت متشددة في معارضتها لطموحات الأمير إدريس السنوسي.





· حزب الاستقلال برئاسة سالم المنتصر، الذى وإن دعا إلى استقلال ليبيا، إلا أنه طالب بالتعاون مع ايطاليا، وحظي بدعم الجالية الإيطالية في طرابلس، ولذلك اعـتبر مشبوه الأهداف والتمويل في نظر معاصريه.

· هيئة التحرير القومى وكان تنظما سريا، أسـسه صالح عمار النائلى وسليمان دهان، و أصدرت ملصقات تهـدد باستخدام العنف، ومنشورات مكتوبة بخط اليد باسم جريدة الكفاح.

· حزب الأحرار وأسـسه صادق بن زراع وعلى دريبيكة ، ولم يكن له ثقل جماهيرى،

· حزب الاتحاد المصرى الطرابلسى الذى أسسه على بن رجب ويوسف المشيرقى،

· حزب العـمال.




الجبهة الوطنية


في منتصف 1946 ، التفتت الدول الكبرى إلى قضية المستعمرات الإيطالية السابقة ومنها ليبيا. ومن بين الآراء التي طرحت، كان إمكانية استعادة ايطاليا لطرابلس ، في حين أن مصير برقة كان شبه مقرر سلفا تحت رعاية بريطانيا. فكان من المتوقع أن تستقل برقة، أو تنال حكما ذاتيا في ظل هيمنة بريطانية.

وقد أثارت هذه التطورات قلقا ربما بلغ حد الفزع على مصير طرابلس. وكاستجابة لتلك التطورات

تأسست الجبهة الوطنية المتحدة فى طرابلس فى مايو 1946. وكان أول ما قامت به الجبهة هو إيفاد محمود المنتصر والطاهر المريض الى السيد ادريس فى القاهرة ، بقصد توحيد الجهود بين طرابلس وبرقة. وقد شارك السعداوي في تلك المداولات. وكان وفد الجبهة يريد من الأمير ضمانا بأنه ’’اذا عرضت وصاية منفردة أو استقلال منفرد يرفض، ولا يقبل أحد الطرفين أية مفاوضة أو حل منفرد. كما أراد وفد الجبهة أن تكون الامارة مقصورة على شخص السيد ادريس فحسب، أى لا تكون إمارة وراثية‘‘[iv]. والصورة المرفقة لفـقـرات من تقرير موفدىْ الجبهة الوطنية المتحدة، محمود المنتصر والطاهر المريض، عن زيارتهما الى القاهرة (نشر فى جريدة طرابلس الغرب 29 نوفمبر 1946).

ورغم أن هذا الوفد الثنائى، كان من أجل تقريب وجهات النظر وتنسيق التحرك السياسى مع السيد إدريس ، إلا أنه لا يكشف عن تفاصيل ما جري ، بقدر ما يركز على جوانب الإقامة والسفر والمجاملات. ولكن الجبهة وافقت على اقتراح تقدم به المنتصر والمريض ، يقول بتوحيد الإقليمين فى ظل إمارة السيد ادريس على أن لا تكون وراثية، شريطة إقامة حكم دستورى برلمانى. لكن هذه الصيغ التصالحية قادت إلى استقالة بعض قادة الجبهة الوطنية من باب الاحتجـاج.

وفى يناير 1947 توجه وفد طرابلسى برئاسة أبوالاسعاد العالم مفتى طرابلس، وأجرى لقاءات مع وفد برقاوى برئاسة عمر منصور الكيخيا.



إلا أن الوفد البرقاوى أصر على إمارة ادريس دون أى شرط. وهكذا اصطدم سياسيو طرابلس فى سعيهم لتوحيد الإقليمين بإصرار أنصار إدريس في برقة على ضرورة اعتراف قادة طرابلس بإمارة السيد إدريس دون قيد أو شرط. وسبب فشل المداولات حزنا وحنقا لدى المعارضين في برقة ، وعبرت جمعية عمر المختار عن تضامنها مع وفد طرابلس ، وأقامت الاحتفالات لتكريمه.

وحول "قضية الإمارة دون قيد أو شرط" تباينت ردود فعل قادة طرابلس. فاتخذ السعداوى موقفا مرنًا دعى الى قبول إمارة إدريس حِرصًا على وحدة الوطن. وعلى الجانب القصيّ وقف على الفقيه حسن في طرابلس ، وأيضا الشيخ الطاهر الزاوي الموجود في القاهرة آنذاك ضد أي تعامل مع إدريس. بين هذين القطبين كان هناك سياسيون طامحون لمناصب الدولة القادمة ، يتعاملون مع الأحداث بتأني وانتظار، وهؤلاء شكلوا القوة الرئيسية فى طرابلس. وتدريجيا تبين أن إمارة إدريس خيار لا مناص عنه في ضوء التوازنات الدولية آنذاك. وقبـِل بعض السياسيين والتجمعات والأحزاب بالتعاون مع ادريس على أن ينظر فى شكل الحكم بعد الاستقلال .. ثم قبلوا بإمارة إدريس فى شخصه على ألا تورث بعده.. وأخيرا أذعنوا للأمر الواقع.


هيئة تحرير ليبيا

إثر توقيع اتفاقيات الصلح بين الدول الكبرى، تقرر إيفاد لجان تحقيق الى المستعمرات الإيطالية السابقة لمعرفة مطالب شعوبها، وأخذت الأطراف السياسية الليبية في الاستعداد لمحاورة هذه اللجنة. وأمام فشل مفاوضات بنغازي ، تأسـسـت هيئة تحرير ليبيا، بالقاهرة في 13 مارس 1947 ، وكانت الهيئة برئاسة بشير السعداوى وعضوية طاهر المريض وأحمد السويحلى ومنصور بن قداره ومحمود المنتصر. لكن هيئة تحرير ليبيا اقتصرت على الطرابلسيين ، ثم إنها كانت برعاية عزام أمين الجامعة العربية والعدو اللدود للسيد إدريس.

على أية حال كان الغرض من تأسيس الهيئة هو تكوين منظمة توحد كلمة زعامات طرابلس ، للتحادث مع لجنة التحقيق الدولية القادمة لتقصي رأي شعوب المستعمرات الإيطالية السابقة. وفي 3 مارس 1948 - وصلت هيئة تحرير ليبيا من مصر برئاسة بشير السعداوى، ولقيت استقبالات عارمة فى مدينة طرابلس، المتطلعة لزعيم يوحد القيادات المتعددة.

ومن 6 مارس الى 20 مايو 1948 طافت لجنة التحقيق الدولية أرجاء ليبيا للاتصال بقادة البلاد ، ومعرفة رغبات أهلها ، فزارت طرابلس وفزان وبرقة ، واستمعت لآراء الزعماء والمشايخ والأعيان.




لكن الأمور أخذت مسارا مفاجئا وغير متوقع ، حين قدم وزيرَا الخارجية ، البريطاني بيفـن والإيطالي الكونت سـفورزا ، يوم 8 مايو 1949 الى هيئة الأمم المتحدة مشروعا بـعودة ايطاليا كدولة وصية على طرابلس لمدة ثمان سنوات ، على أن تبقى بريطانيا في برقة التى تمنح استقلالا ذاتيا ، وتبقى فرنسا في فزان. وقد استقبل الليبيون المشروع بالرفض، وأغلقت المحلات والمقاهى فى اضراب عفوي ، وتواصلت المظاهرات الصاخبة لعـدة أيام . كما أحرق المتظاهرون في طرابلس عدة مقار ايطالية[v]. وأبرق الزعماء الى الوفود الليبية فى مقـر الأمم المتحدة ، وتقدموا بمذكرات احتجاج الى السلطات البريطانية. كما جاء الى طرابلس وفد من جمعية عمر المختار فى بنغازي ، لــيلتقي بقادة الجبهة الوطنية.




بعد ثلاثة أسابيع ، في 1 يونـيو 1949 منحت بريطانيا استقلالا ذاتيا لبرقة تحت إمارة السيد إدريس. ورآه الناس سواء في طرابلس أو بنغازي ودرنة ، خـطـوةً نحو الانـفـصـال والتخلي عن طرابلس. وفى طريقه الى لندن ، مرّ إدريس على طرابلس فى يوم 11 يوليو 1949 ، واجتمع بمختلف شخصيات طرابلس. وفي بريطانيا أثارة المسألة الطرابلسية مع الحكومة الإنجليزية ، مطالبا ولو بوعد يستره مع أهل طرابلس على حد قوله.

لكن الولايات المتحدة وأنصارها سرعان ما سارعوا بتصحيح الأمور ، وعرضت قضية ليبيا على هيئة الأمم المتحدة. وكان رأي أميركا هو منح ليبيا استقلالها ، أساسا لقطع الطريق على الاتحاد السوفييتي ، الذي أمسى من الدول المنتصرة والذي كان يتطلع لموطئ قدم في البحر المتوسط ، ولو كإحدى الدول في مجلس وصاية على ليبيا.

واستجابت الجماعات السياسية في طرابلس بتوحيد صفوفها وتأسيس المؤتمر الوطني تحت زعامة السعداوي يوم 7 يوليو 1949.

وسافرت عدة وفود ليبية لحضور اجتماع الأمم المتحدة في أميركا: وفد برقة وشمل عمر فائق شنيب وخليل القلال وعبد الرازق شقلوف. ووفد قادة طرابلس الوطنيين وهم بشير السعداوى (وبصحبته مستشاره المصري الدكتور محمد فؤاد شكرى) ، ومختار المنتصر ومصطفى ميزران. وجاء الدكتور علي العنيزى مندوبا عن جامعة الدول العربية. وأخيرا سالم المنتصر وعبد الله الشريف عن حزب الاستقلال الذي أبدى استعداده للقبول بوصاية إيطالية على طرابلس. ورغم فتور العلاقات بين هذه الوفود الليبية ، إلا أن الصور الفوتوغرافية لتلك الفترة تبين مدى حميمية اللقاء بين أولئك الرجال .. كعادة الليبيين عندما يلتقون بالخارج. وقد عاضد المطلب الليبي بالاستقلال ، فاضل الجمالى رئيس الوفد العراقى، والسياسي الفلسطيني أحمد الشـقـيرى ممثل السعودية آنذاك ، والسفير المصرى الى واشنطن كمال عبد الرحيم ، إضافة الى ممثلى تركيا والهند وغيرهم.

وفى 12 اكتوبر 1949 ، صدر قرار الأمم المتحدة بمنح ليبيا استقلالها فى مدة أقصاها يناير 1952. كما وافقت الأمم المتحدة على اقتراح الوفد الهندى بتشكيل لجنة لمساعدة الشعب الليبى على اجتياز فترة الانتقال واختيار شكل الحكم ووضع الدستور.





وكلف الدبلوماسي الهولندي آدريان بلت برئاسة اللجنة الدولية المشرفة ، والتي بذلت جهدا صادقا في ترتيب الأمور والإسراع بتكوين المؤسسات اللازمة. وهكذا تكونت لجنة الواحد والعشرين ، ثم لجنة الستين أو الجمعية الوطنية ، كممثلين لمختلف مناطق ليبيا. وعن هذه الجمعية الوطنية التي أختير لرئاستها الشيخ أبو الاسعاد العالم مفتي طرابلس ، انبثقت لجنة لصياغة الدستور. وعبر كثير من الجدل والخصومات والمناورات ، انتهى الأمر إلى أن يكون نظام الحكم في الدولة الجديدة هو النظام الفيدرالي أو نظام الولايات ، وهو ما أثار كثيرا من الغضب والاحتجاج في طرابلس. وفي جو مفعم بالغضب واشتداد الصراع ، قام الأمير أو الملك المرتقب إدريس بزيارة طرابلس ، وهناك ألقيت قنبلة على موكبه قرب ميدان الشهداء
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في الثلاثاء 11 أكتوبر 2011, 22:47

بـعـيــدا عن السياسة

الأحداث السياسية عادة ما تطغى للأسف على رؤيتنا للتاريخ ، ربما لما تنطوي عليه من ضجيج ومفاجآت وعواطف حادة .. إنها مثيرة بغموضها وشخصيات ممارسيها. لكن حياة المجتمع ، وطرابلس كأي مجتمع ، كانت في الأربعينيات زاخرة بالتطورات غير السياسية. كان اقتصاد المدينة ينتعش تدريجيا ، أو يستعيد نشاطه الطبيعي .. متاجر تفتح أصحابها ليبيون ، وأسواق توفر حاجات الناس وتصدر إلى مدن الدواخل. وحركة الميناء في ازدهار. بينما اهتمت قطاعات أخرى من المتعلمين والمدرسين بإعادة افتتاح المدارس ورعاية الأجيال الصغيرة وخلق مناهج دراسية وطنية .. بعد أن اختفى نظام التعليم الإيطالي. وكانت المدينة ، بل ليبيا كلها ، تعاني من نقص في المدرسين .. بل في المتعلمين .. ففي امتحان لاختيار معلمين بطرابلس سنة 1946 اشترك 142 ، لم ينجح منهم سوى 14 ! وكانت أغلبية الناس بالطبع تتابع الرياضة وخاصة كرة القدم ونجومها الجدد وما سجلوه من أهداف.

ربما يصعب اليوم ، على الأجيال الشابة ، تصور حالة العالم ، وليبيا بالذات ، في آخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات. لم تكن هناك شبكات مياه مكلورة للشرب ، باستثناء وسط طرابلس وبنغازى .. كان الناس يشربون من مياه الأمطار المجمعة فى صهاريج أرضية (ماجن) .. وكانت غالبا ما تملأ من قبل الورّاد الذى يدور ببرميله المثبت على كروسة يجرها حمار أو بغل. وكانت شبكة المجارى محدودة أو غائبة ، والكهرباء مقصورة على المناطق الميسورة. البيوت ذات بناء قديم ، مسقوفة بالخشب (الصنور عادة) الذى كان يعشعش فيه البق .. الذى يخرج فى ظلام الليل فى كتائب لا تنقطع ليتغذى على دمنا المحدود أصلا.

بدأت السيطرة على الجوع بإدخال نظام توزيع السلع الأساسية بالبطاقات أو ’ الجرامات ‘ كما كانت تسمى. وقامت منظمات الأمم المتحدة للصحة ورعاية الطفولة (اليونسيف) والتعليم (اليونسكو) ، بدعم التغذية المدرسية من حليب، وتمر وحلوى معجونة وجبن وخبز وفيتامينات، فضلا عن برامج التطعيم، وتطهير الأجسام من القمل برشات الدى دى تى ..الخ.

لكن الفقر كان شائعا ومدقعا ، وكثر المتسولون ، وكتب عنها البعض في الصحف بضيق مطالبين بالقضاء "على تلك المناظر السيئة حرصا على جمال المدينة". بينما سعى آخرون لجمع التبرعات ومعاونة الفقراء ، وكان أشهرهم آنذاك الحاج محمد الكريكشي التاجر الشهم ، الذي أصبح أحد الرجال المقربين للبشير السعداوي زعيم المؤتمر الوطني والبلاد. وفي فقرة قصيرة تحدثنا مجلة المرآة عن زيارة مندوبها:

’’ للحاج الكريكشي ، نائب رئيس الجمعية الخيرية الإسلامية .. في سوق الربع القديم .. وقد وجدناه مشغولا بتوزيع الأردية .. واكتفينا بأن نوجه إليه سؤالا واحدا عن نشاط الجمعية .. فأجاب بأنها تعترف بالنشاط الملموس الذي يقوم به الآن الشعب الكريم ولا سيما دواخل القطر التي ساهمت مساهمة عظيمة في جمع الحبوب والتبرعات المالية ..‘‘.


فرار من جـفــاف 1947

في تلك الفترة عاد ما يقارب من ربع مليون شخص من المهاجرين مبكرا بعد الحرب من مصر وتونس ، وبدرجة أقل من الشام وجنوبي الصحراء. واكتظت المدن بالعائدين وبالنازحين من الدواخل بحثا عن عمل ... ونمت أحياء الصفيح من براريك الزنك والزرائب. كان لعودة المهاجرين أكثر من أثر: ضغط على الموارد المحدودة أصلا .. بطالة متزايدة .. ومزيج متفجر من التوقعات المتفائلة وخيبة الأمل.

وإن عاد المهاجرون يشدهم الحنين إلى الوطن وبصيص من أمل إلا أن آخرين تركوا قراهم ومناطقهم بسبب الجفاف. ورغم عدم توفر إحصائيات عن تلك الهجرات ، فقد سجل لنا بعض الأدباء صورا منها. كانت هجرات ، كما في كل العصور السابقة ، من غرب ليبيا إلي شرقها .. ومن أشهرها هجرة أبناء سهل الجفارة الذين استقروا في مختلف مدن الشرق الليبي : المرج ، البيضاء ، بنغازي درنة وطبرق ومابينها من قرى. كانت هربا من الجفاف الذي توالى على طرابلس عدة سنين.

وحكي لي الحاج ونيس قطيش ، الذي كان سائقا منذ آخر الثلاثينيات ، عن جفاف آخر الأربعينيات حين كان يقود سيارته الشاحنة بين طرابلس وبنغازي: ’’ صار جفاف في الغرب .. قحط .. السّعي موّت .. فيه إللي يجيب سعيه .. يتعب .. ينزله ويذبحه وياخذ البطاين امتاعه .. يذبح عشرين خمسين .. مية وياخذ البطانة .. النطع بس .. ويروّح ، امغير تعبته .. سعي تعبان .. دوارته ومصارينه مليانه تراب .. م الشر .. جفاف ‘‘.

وحكي لي جمعة أحد أبناء الجبل الغربي: ’’ جيت من جادو .. معاي ثمانية .. كانت مجاعة .. ما فيش مطر .. جينا في سيارات تريرو .. مئات ، الجميع جالسين القرفصاء .. مشينا لعند اسلنطة .. وحصدنا الزرع .. اشتغلنا ثلاث شهور وبعدين مشينا الى طبرق .. في طبرق مسكونا ونقلونا في سيارات شاحنة .. المفروض إلى طرابلس والبعض شالوه فعلا .. في بنغازي الحرس يقول لك عطيني خمسين قرش ونطلقك .. كانت ظروف صعبة .. ميزيريا .. وآهو بعد 55 سنة مازلت قاعد ‘‘.

ونجد في رواية " سريب[1] " للكاتب والصحفي أحمد الفيتوري ، إلماحات درامية لرحلة جدته من غريان إلي بنغازي ، بعد الحرب العالمية الثانية ، ولعلها نموذج لما مر به الآلاف في تلك الحقبة:

’’ تتكئ جدتي عند الضحي قرب باب البيت ، تطلق خيط الكلام مع أي أحد ولا أحد .. وتتدثر الليلة الظلماء برداء أسود .. فأدخل في سواد رداء جدتي.. منوما سريع المفعول ... وكثيرا ما كانت تتحدث مع صندوقـها ، أو تغني ، أو تبكي .. ثم أسمع حكايات غريبة منها ، وكيف نزحت من جبل غريان إلي ريف بنغازي ، كيف مشت هي وأطفالها الصغار على الأرجل .. النهارات والليالي الطوال. تركت غريان .. أعوام وغريان تسف الرمل والسماء تحبس المطر .. لا زيت ، لا زيتون ، لا زميتة ، لا إدام ، لا حصيدة ، لا قليـّة ، لا فواح .. لم أعرف أين نذهب ، فقط نريد طعام ، وفي الشرق صابة.. انحدرت مع الجبل .. وعين الشمس تلسعنا. جينا لخلاء بونجيم .. .. أينما حللنا كان الخراب .. رأيت أهل بنغازي يعودون بعد الحرب من حيث هجـّوا في البوادي .. وقد غَدَت حطامًا ‘‘.

وقد عثرتُ على وصف أكثر تفصيلا ، لموضوع الهجرة إلي الشرق، في رواية محمد الأصفر " نواح الريق ". ففي هذه الرواية يعرض المؤلف ذكرياته عن هجرة أسرته إلي بنغازي:

’’ .. عندما ضاقت بنا الحال في ظهرة طرابلس رحل بنا أبي شرقا إلي بنغازي .. سعيا وراء الرزق وهربا من الجفاف والفاقة والبطالة المتفشية .. أتوه وسط اهتزازات الشاحنة ولحاف أمي الذي يغطيني وتقف الشاحنة بكبحة مفاجئة تكبّ الناس والأمتعة على بعض وتوقض من نام .. وتتعالى صيحات الاستغاثة : " ياسيدي عبد السلام " .. ويعلن السائق وصولنا إلي منفذ القوس ودخولنا حدود ولاية برقة .. طيلة الطريق نقتات على التمر المعجون والزميتة والبصل الحويل والفلفل الأخضر وخبز الشعير .. طيلة الطريق وأبي يتحدث مع عمي حسين .. ويتدربان على نطق الكلمات بلهجة شرقاوية .. يقول عمي حسين: لتجيد لغة الشراقة ضع قبل كل كلمة ألفا مكسورة .. إبقرة .. إشبكة .. إخرزة .. ويتضاحكان .. في الشاحنة عدة أسر أخرى .. من زليتن ومسلاتة وقماطة وورفلة .. كل رهط تقرفص جنب بعض ، يتسامر على حاله وأحواله .. كل مسافر وحكايته .. متخيلا كيف ستسير الأمور معه ‘‘.


الصـحــافة

في منتصف الأربعينيات ظهرت صحيفة طرابلس الغرب ، وأصدرتها إدارة الاستعلامات. لكن أطرف صحف ذلك الزمن كانت مجلة المرآة التي أصدرها مصطفى العجيلي .. وتميزت بشيئين عن كل صحف تلك الحقبة .. وهما غياب السياسة ، أخبارا أو نقاشات أو مقالات .. وروح النكتة العالية ، فضلا عن الرسومات الكاريكاتورية للفنان فؤاد الكعبازي لشخصيات تلك الحقبة.






ما موهبة الكعبازي قد تفتحت حين كان تلميذا في الثلاثينيات ، وأثارت رسوماته غضب بالبو آنذاك حين زار المدرسة واكتشف أن الفنان الصغير ليبـيٌ وليس إيطاليا.



وكانت مجلة المرآة انتقائية جدا في ما تنقل من أخبار .. بينما اكتفت بمقالات شبه وعظية تحث على التعليم ومكارم الأخلاق بأقلام القلة من المتعلمين آنذاك ، ومن بينهم مقال للمربية المرحومة جميلة الإزمرلي. كما نشرت بعض قصائد لعل أكثرها إثارة قصيدة علي صدقي عبد القادر ، التي انطلقت مما توحي به المرآة ! وفيما عدا ذلك حرصت المرآة أن تكون صحيفة النخبة الطرابلسية .. لها وعنها !



[1] إصدارات مركز الحضارة العربية ، القاهرة ، 2001 .
____________

[i] ص 356 من كتاب بلدية طرابلس في مائة عام ، 1973.

[ii] ص 4 ، من مجلة المرآة ، عدد 1 اكتوبر 1946.

[iii] شكري العميق للأستاذ سعد ابن المرحوم فتح الله المقصبي ، الذي أطلعني على يوميات والده وسمح لي بنشرها.

[iv] فؤاد شكرى/ ص 322 وما بعدها ، كما يورد فؤاد شكرى محضر الاجتماع الذي تم فى منزل عبد الستار بك الباسل يوم 14 يونيو 1946 بالقاهرة .

[v] مذكرات الهادي المشيرقى ص 314-320.
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأيام الطرابلسية

مُساهمة من طرف اخوكم احمد في السبت 28 أبريل 2012, 23:33

كم احن الى معاودة الاطلاع على هذا العمل القيم
avatar
اخوكم احمد
Admin

عدد المساهمات : 2423
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 03/05/2009
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matarya.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى